الأربعاء , 21 فبراير 2024
الصفحة الرئيسية / مقالات / تكاد السلطات المصرية لا تملك ردا غير البلطجة

تكاد السلطات المصرية لا تملك ردا غير البلطجة

كان الصحفي المصري كريم أسعد (30 عاما) مستيقظا حتى ساعة متأخرة من ليلة 18 أغسطس/آب لإنهاء عمله كي يتمكن من قضاء عطلة نهاية الأسبوع مع زوجته وطفلهما البالغ من العمر سنتين. لكنه، وقبل بزوغ الفجر في سماء القاهرة، سمع طرقا عنيفا على باب المنزل. قالت زوجته في مقابلة إعلامية: “اعتقدنا أن المبنى ينهار”.

ركض أسعد وزوجته نحو الباب، حسبما قال لي مصدر مقرب من العائلة، بينما تناهت إلى أسماعهم أصوات رجال صارخة تأمرهما بفتح الباب وإلا كسروه. اقتحم 10 رجال مدججين بالسلاح المنزل، بعضهم بلباس الشرطة، وبدأوا يهينون أسعد وزوجته لعدم فتح الباب بسرعة بينما أعلنوا بحدة سبب الزيارة: قال أحد الرجال، على الأرجح قائد العملية، لأسعد: “أنت لا تعرف عواقب ما نشرته”.

احتجز الرجال زوجة أسعد في إحدى الغرف، صفعوها على وجهها وانهالوا عليها بالضرب والإهانات، أمام طفلها الرضيع الذي أخذ يبكي. قالوا لها إنها لن ترى طفلها مجددا إن لم تُجِب عن أسئلتهم المتعلقة بعمل زوجها. أمروها بإعطائهم كل الأموال، والمجوهرات، وأجهزة اللابتوب والهاتف. في هذه الأثناء، كان آخرون يستجوبون أسعد في غرفة أخرى، لمدة نصف ساعة. ثم أخذوه معهم.

لم يكن هؤلاء الرجال عصابة مسلحة تنتقم من صحفي نشر أخبارا عن نشاطها غير القانوني. بل هم، كما وصفهم أحد المصادر، عناصر أمن حكوميون اقتادوا أسعد إلى “جهاز المخابرات العامة”. فالبلطجة أصبحت هي القاعدة في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي.

أسعد صحفي في “متصدقش” (لا تصدق)، أحد أول المواقع العربية للتحقق من الأخبار، ومنصة استقصائية مفتوحة المصدر. منذ 2018، حصل الموقع على ثقة وملايين الأشخاص ومتابعتهم عبر تقديم محتوى غني من ضحد المعلومات المضللة المنتشرة على الإنترنت، بالإضافة إلى البروباغندا والأكاذيب التي تنشرها الحكومة أو المعارضة على حد سواء. سيطرت أجهزة السيسي على جميع وسائل الإعلام في البلاد، أو اشترتها أو مارست الضغط عليها، في حين أن وسائل إعلام المعارضة في الخارج منحازة ومسيسة بشكل كبير، لذا تؤدي منصات مثل “متصدقش” دورا محوريا كأحد آخر الأصوات المتبقية دفاعا عن المعلومات المستقلة وسط القمع القاسي وتزايد الأخبار المضللة في “حرب الهاشتاغات”.

قبل الاعتداء على أسعد بأيام، كانت منصة “متصدقش” قد كشفت معلومات مهمة حول الطائرة الخاصة الغامضة التي ضبطتها زامبيا أوائل أغسطس/آب، بعد وصولها من مطار القاهرة حاملة ملايين الدولارات، وذهبا قد يكون مزيفا، وأسلحة، وذخائر. أوقفت السلطات الزامبية ستة مصريين كانوا على متن الطائرة، قبل إطلاق سراحهم بعد بضعة أسابيع.

حاولت السلطات المصرية أن تخفي أي أخبار عن الحادثة، لكن عمل المهنيين الشبان والشجعان مثل أسعد كشفها عبر تحليل معلومات مفتوحة المصدر لتجميع أجزاء اللغز. كشف الموقع أن عناصر من الشرطة والجيش المصري كانوا ضمن الستة الموقوفين، وأن بعض الوزراء، على الأرجح، استخدموا الطائرة الخاصة في رحلات سابقة.

في عهد السيسي، أصبح قول الحقيقة في مصر جريمة. أجبر عناصر الأمن الذين داهموا المنزل أسعد على إزالة منشورين عن “فيسبوك” يتعلقان بالطائرة الخاصة. أفرجت السلطات عن أسعد بعد يومين من توقيفه، بعد حملة تضامن واسعة وتدخل بعض الأشخاص الذين فاوضوا محتجزيه للإفراج عنه. قال لي المصدر إن السلطات لم تتوقع حجم التغطية الإعلامية والتضامن اللذين أشعلهما توقيف أسعد. وأضاف أن أسعد تلقى معاملة إنسانية خلال التحقيقات واحتجازه القصير. لكن الرسالة كانت قد وصلت: أولئك الذين يسعون إلى ممارسة حقوقهم الأساسية في مصر عليهم أن يتوقعوا العقاب.

لم تكن مجرد صدفة أن تتزامن محنة أسعد مع أسبوع الذكرى العاشرة للقتل الجماعي في ميدان رابعة؛ هذه المجزرة التي غيّرت مصر إلى الأبد. في 14 أغسطس/آب 2013، نفذت قوات الشرطة والجيش خطة دُرست بعناية على أعلى المستويات. استخدمت القوات العنف المميت لتفريق الاعتصام السلمي إلى حد كبير احتجاجا على عزل أول رئيس مصري منتخب، محمد مرسي، فقتلت أكثر من 800 شخص في وضح النهار. بعد 10 سنوات، تمت ترقية المسؤولين عن المذبحة ومكافأتهم، بينما سُجن الناجون أو تم نفيهم.

قضية أسعد هي تذكير صارخ بما جرى في هذا البلد الذي لا تبدو حكومته ساعية إلى بذل أي جهد لكبح جماع قوات الأمن أو إجبارها على الالتزام بالقوانين. بعد أن أصبح جليا لهذه القوات أن الانتهاكات مسموحة باسم “الأمن”. تتردد أصداء هذه العقيدة في العديد من التصريحات الرسمية، بما فيها تصريحات للرئيس السيسي، الذي قال، في رده على تعليق ورد في يونيو/حزيران حول المعتقلين ظلما، إن هذه الاعتقالات هي “إنقاذ وطن”. وهكذا، استخدم قادة الجيش ومسؤولون أمنيون وحكوميون كبار، بدعوى الفوقية الأخلاقية، فكرة “حماية الوطن” لتبرير المجازر الجماعية في وضح النهار.

تشويه الحدود وطمسها يؤدي في العادة إلى التهافت السريع لحكم القانون، وسحق الكرامة، وحقوق الإنسان، والأخلاق الأساسية. خلال السنوات اللاحقة لمقتلة رابعة، مارست قوات الأمن الخطف، والإخفاء القسري، والتعذيب، والقتل غير القانوني بشكل منهجي وواسع، وكل ذلك باسم حفظ “أمن” الوطن. في البداية، استهدفت الحكومة المصرية مناصري مرسي الإسلاميين، لكن خلال 10 سنوات، لم تستثنِ انتهاكات قوات الأمن أي منتقد فعلي أو مفترض في مصر، حتى الذين كانوا قد دعموا الانقلاب العسكري في وقت سابق. رؤية هذا المسار على اتصاله هو ما يفسر وضع مصر اليوم.

في الأشهر الأخيرة، شرعت الحكومة المصرية في حملة علاقات عامة حثيثة لتحسين صورتها الملطخة، زاعمة أن دعوة السيسي إلى حوار وطني والإفراج عن بعض المعتقلين السياسيين يشكلان بداية جديدة. في الواقع، انحسر الحوار بشكل عام إلى مستوى نقاش لا أثر له يُذكر على السياسات القمعية مع بقاء الآلاف معتقلين، واستمرار التوقيفات التعسفية والانتهاكات بلا هوادة. خطفُ أسعد هو تذكير بأنه لن يكون هناك نور في نهاية النفق طالما تقاعست السلطة عن معالجة انتهاكات قوات الأمن المتزايدة وانعدام القانون، بما في ذلك ما حصل في رابعة منذ 10 سنوات.

شاهد أيضاً

السلطات تحجب موقع “مدى مصر” بسبب تقرير عن “التهجير من غزة”

قرر المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في مصر، حجب موقع “مدى مصر” الإلكتروني، لمدة 6 أشهر، …