الأربعاء , 8 فبراير 2023
الرئيسية / مقالات / سجناء مصر السابقون… ادعاءات الدمج تخالف الواقع

سجناء مصر السابقون… ادعاءات الدمج تخالف الواقع

في 15 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، منعت سلطات مطار القاهرة الدولي، الناشطة والمحامية الحقوقية ماهينور المصري، من السفر إلى فينيسيا الإيطالية، وكان ذلك بقرار من النائب العام، حسب قول أحد ضباط جهاز الأمن الوطني في المطار لها شفهياً، بينما كانت في طريقها لحضور حفل إعلان الفائز بجائزة منظمة “أورورا” الأرمينية، والخاصة بالشخصيات البارزة في مجالات العمل الإنساني وحقوق الإنسان، إذ إنها كانت ضمن المرشحين للجائزة.
وجدت المصري نفسها أمام خيار واحد، وهو مقاضاة وزارة الداخلية أمام القضاء الإداري لإلغاء قرار المنع من السفر، خاصة أنها المرة الثانية التي تُمنع فيها خلال السنوات القليلة الماضية، رغم حصولها على قرار إخلاء سبيل من النيابة العامة في القضايا المنسوبة إليها.

في 18 يوليو/تموز الماضي، أخلت السلطات المصرية سبيل عدد من الصحافيين والنشطاء السياسيين، كان من بينهم ماهينور المصري، في إطار سلسلة قرارات بإخلاء سبيل عدد من المعارضين والمسجونين في قضايا الرأي. وألقت قوات الأمن القبض على المصري، في 22 سبتمبر/أيلول 2019، من أمام مبنى أمن الدولة، عقب حضورها كمحامية التحقيقات مع أشخاص تم توقيفهم أثناء تظاهرات 20 سبتمبر. وتقرر حبسها احتياطياً على ذمة قضية بالتهم المكررة، ومنها نشر أخبار كاذبة، ومشاركة جماعة إرهابية مع العلم بأغراضها.
سبق أن أمضت المصري سنة وثلاثة أشهر في السجن على خلفية قضية اقتحام قسم شرطة الرمل في عام 2014. وتم أيضاً حبسها في 2017، بعد تظاهرها مع آخرين اعتراضاً على اتفاقية ترسيم الحدود المصرية، المعروفة بتظاهرات “تيران وصنافير”، لكنها حصلت على حكم بالبراءة في يناير/كانون الثاني 2018، بعد استئنافها على الحكم بالحبس لمدة سنتين، وكانت التهمة هي التظاهر من دون ترخيص.
بعد كل فترة سجن، كانت ماهينور المصري تعود مجددًا لارتداء “روب” المحاماة الأسود للدفاع عن السجناء السياسيين في كل أنحاء مصر، إذ لم تستطع السلطات منعها من مزاولة مهنتها، لكنها منعتها من السفر، رغم أنه أحد الحقوق الأساسية التي يكفلها الدستور المصري لكل مواطن.
تنص المادة 62 من الدستور المصري على أن “حرية التنقل، والإقامة، والهجرة مكفولة. ولا يجوز إبعاد أي مواطن عن إقليم الدولة، ولا منعه من العودة إليه. ولا يكون منعه من مغادرة إقليم الدولة، أو فرض الإقامة الجبرية عليه، أو حظر الإقامة في جهة معينة عليه، إلا بأمر قضائي مسبب، ولمدة محددة، وفي الأحوال المبينة في القانون”.
المنع من السفر بعد إخلاء السبيل واقع اصطدم به أيضاً الباحثان باتريك زكي وأحمد سمير سنطاوي، واللذان تم منعهما من السفر لاستكمال الدراسة خلال الأشهر الماضية، رغم إطلاق سراحهما ضمن أعمال لجنتي العفو الرئاسي والحوار الوطني.
ولا يختلف حال ماهينور المصري، وباتريك زكي، وأحمد سمير سنطاوي، كسجناء سياسيين سابقين، مع أحوال كثيرين غيرهم، سواء من المشهورين أو المغمورين، ممن ودّعوا الزنازين مؤخراً، ومنهم الطبيب وليد شوقي الذي يجد صعوبة بالغة في العودة إلى حياته الطبيعية.

ورغم حضور شوقي الخافت عبر حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي، أطلّ قبل أيام معدودة ليكتب: “في مثل هذا اليوم 14 أكتوبر 2018، ألقي القبض عليّ. ذهبت حينها ولم أعد”. كتب تلك الكلمات رغم حصوله على قرار إخلاء سبيل في 24 إبريل/نيسان الماضي، في عفو ضم عددا من النشطاء السياسيين على ذمة قضايا مختلفة.
أضاف شوقي في منشوره: “كان نفسي أكتب كلاما عن عمق التجربة، وعظمة الألم، وكل تلك الأشياء. لكن في الحقيقة ليست كل التجارب مفيدة، وليس بالضرورة أن كل من مر بتجربة صعبة استفاد منها. الحقيقة أيضاً أنه ليس هناك دائماً نبل في الألم. حتى الأشياء التي قد يكتسبها شخص مر بتلك التجربة، المؤكد أنه كان سيستفيد أكثر منها في مكان آخر. الحمد لله على كل شيء. أعوذ بالله من علم لا ينفع. 4 سنوات ليست لهم أي لازمة في حياتي”.

كان شوقي قبل إخلاء سبيله بنحو شهرين قد خاض إضراباً عن الطعام، اعتراضاً على استمرار حبسه احتياطياً لأكثر من ثلاث سنوات على ذمة قضيتين مختلفتين. اعتقل في 14 أكتوبر 2018، وظل رهن الحبس الاحتياطي على ذمة التحقيقات التي تجريها نيابة أمن الدولة العليا، ولمدة 22 شهراً، ثم تم إخلاء سبيله على ذمة التحقيقات في القضية. ورغم القرار، لم يتم إطلاق سراحه بشكل فعلي، ولكن أعيد اتهامه من جديد في قضية أمن دولة، وفي القضية الثانية وُجّهت له نفس اتهامات القضية الأولى، وهي الانضمام إلى جماعة إرهابية، وأضيف إلى ذلك تهمة المشاركة في تظاهرات 20 سبتمبر، رغم أنها جرت بينما كان في الحبس، ما يجعل من المستحيل مشاركته فيها.
قبل المنشور الذي عبّر فيه شوقي عن ضياع أربع سنوات من عمره بلا فائدة، كان قد كتب منشورا آخر، أوضح فيه أنه منذ خروجه من السجن، “غير مهتم بأي شيء، وتنحصر لقاءاتي مع محبوسين سابقين، أو ناس كان لهم علاقة بالسياسة في إطار اجتماعي بحت، وليس لأية أغراض أخرى. بعد رسائل غير مباشرة ممن حاولوا التواصل معي بعد خروجي من السجن، قلت: ليس لدي أية طلبات، ولا أريد الاندماج مع المجتمع. رجاءً اتركوني في حالي. كفى”.
معاناة السجناء السياسيين السابقين قد تكون أكبر من استيعاب وفهم المحيطين، وبالطبع من إدراك المجتمع، والسلطات الأمنية التي تدّعي حرصها على دمج السجناء السياسيين في المجتمع، وبعيداً عن ادعاءات المسؤولين حول جهود الدمج المجتمعي؛ فإن الواقع يؤكد أن العودة للحياة الطبيعية ليست اختيار السجناء السياسيين السابقين وحدهم، بل قرار دولة يفترض أن توفر لهم الحق في العودة إلى العمل والدراسة، في الداخل والخارج، والحق في السفر، والحق في التأهيل النفسي، وكذلك الحق في تيسير استخراج الأوراق الثبوتية الرسمية، وغيرها من الأمور.
على سبيل المثال، أعادت السلطات الأمنية القبض على الناشط السياسي شريف الروبي، لأنه اشتكى في مداخلة هاتفية مع قناة إخبارية عربية من صعوبة حصوله على عمل بعد إخلاء سبيله.
أساليب السلطات الأمنية في عرقلة حياة السجناء السياسيين السابقين لها أشكال وأساليب كثيرة، منها تعطيل قرار لجنة القيد في نقابة الصحافيين، بقبول الصحافي محمود السقا، والذي ألقي القبض عليه من داخل مبنى النقابة مع عضو مجلس النقابة السابق، عمرو بدر، في مايو/أيار 2016، بسبب موقفهما الرافض لاتفاقية جزيرتي تيران وصنافير.
والأمر نفسه تكرر مع المصور الصحافي محمود أبو زيد، الشهير بـ”شوكان”، والذي قرر مؤخراً بيع الكاميرا الخاصة به، بسبب معاناته من الرقابة الشرطية المفروضة عليه بحكم قضائي، إذ يقضي يومياً 12 ساعة في قسم الشرطة، من السادسة مساءً حتى السادسة من صباح اليوم التالي.
وأنهى شوكان حكماً بالحبس لمدة 5 سنوات في مارس/آذار 2019، لكنه بدأ رحلته مع المراقبة الشرطية لخمس سنوات إضافية منصوص عليها في حكم المحكمة، وكل ذلك على خلفية تغطيته “مذبحة رابعة العدوية”.
تتباين القصص بين سجين سياسي سابق إلى آخر، لكنها جميعاً تصب في إطار عرقلة السلطات الأمنية لعملية دمج وتأهيل واستيعاب السجناء السياسيين السابقين، أو المخلى سبيلهم والمفرج عنهم، والبالغ عددهم ما بين 800 إلى ألف سجين سياسي فقط، طبقاً للتقديرات الحقوقية.

ويظل حال السجناء السياسيين السابقين الذين يتمتعون بقدر من الشهرة في الأوساط السياسية والحقوقية لارتباطهم بخلفيات عمل سياسي أفضل من أحوال المجهولين، والذين يظل مصيرهم غامضاً بعد السجن كما كان قبله. وتشير تقديرات غير رسمية لمنظمات حقوقية، إلى أن عدد السجناء السياسيين في مصر يتجاوز 100 ألف سجين، وسبق أن قدرت الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، عدد السجناء والمحبوسين احتياطياً في مصر، بنحو 120 ألف سجين، من بينهم نحو 65 ألف سجين ومحبوس سياسي، ونحو 54 ألف سجين ومحبوس جنائي، وبلغ عدد المحكوم عليهم إجمالاً نحو 82 ألف سجين، وعدد المحبوسين احتياطيا على ذمة قضايا نحو 37 ألف محبوس.

شاهد أيضاً

تزايد القلق الإسرائيلي من زعزعة الاستقرار في مصر

على خلفية الأصوات الإسرائيلية التي تحذر من احتمال إفلاس مصر، فإن ذات الأصوات ترى أن …