الأربعاء , 8 فبراير 2023
الرئيسية / مقالات / عسكرة «الدستورية».. ما وراء تعيين رئيس «القضاء العسكري» نائبًا لرئيس المحكمة

عسكرة «الدستورية».. ما وراء تعيين رئيس «القضاء العسكري» نائبًا لرئيس المحكمة

أدى صلاح الرويني، رئيس هيئة القضاء العسكري، الأحد الماضي، اليمين القانونية أمام الجمعية العامة للمحكمة الدستورية العليا، كأول لواء بالقوات المسلحة ينضم لتشكيل المحكمة، ويُعين نائبًا لرئيسها منذ إنشائها عام 1979.

يعود ذلك الى 7 يوليو الجاري، حين أصدر رئيس الجمهورية، عبد الفتاح السيسي، قرارًا بتعيين صلاح محمد عبد المجيد يوسف، نائبًا لرئيس المحكمة الدستورية العليا، دون توضيح اسم عائلة هذا القاضي «الرويني» ووظيفته الحالية كرئيس لهيئة القضاء العسكري، وهو ما كررته المحكمة الدستورية في بيان لها، الأحد، اكتفت خلاله بالإشارة إلى أنه بموجب قرار رئيس الجمهورية الأخير، أصبح تشكيلها متضمنًا جميع الجهات والهيئات القضائية.

أثار التعيين الأخير تساؤلات حول تمدد سيطرة القوات المسلحة على سلطات مختلفة بما فيها القضاء، وإخضاع الجهات القضائية لسيطرة اللواءات بدلًا من القضاة.

«هو راجل محترم جدًا نعرفه شخصيًا»، يقول المتحدث باسم «الدستورية»، المستشار محمود غنيم، لـ«مدى مصر»، موضحًا أن رئيس المحكمة، المستشار بولس فهمي، هو من رشح الرويني لعضوية «الدستورية»، وأن فهمي هو من عرض على الرويني أن يترك وظيفته كرئيس للقضاء العسكري وينتقل للعمل عضوًا بالدستورية، ليكون أحدث أعضائها في ترتيب الأقدمية. وبعد موافقته، عرض رئيس المحكمة الأمر على الجمعية العامة للمحكمة، التي وافقت بالإجماع بعد أن اطلع قضاتها على «ملفه ورأي الجهات الأمنية فيه». «نطلع على الملفات السرية للمرشحين لعضوية المحكمة الدستورية ونختارهم على الفرازة لخدمة الوطن»، يضيف غنيم.

لم تتوفر معلومات عن اللواء صلاح الرويني قبل يناير 2018 عندما نقلت وسائل الإعلام الرسمية خبرًا مفاده إصداره قرارًا بحظر النشر في قضية الفريق سامي عنان بشأن ترشحه للرئاسة دون موافقة القوات المسلحة، وذلك بوصفه المدعي العام العسكري. وبعد تشكيل المجلس الأعلى للجهات والهيئات القضائية في أكتوبر 2021، حرصت الصحف على كتابة اسمه ضمن رؤساء الجهات والهيئات الحاضرين.

«المرة الأولى، ولن تكون الأخيرة، وإنما سيتبعها تعيين قضاة عسكريين آخرين في المحكمة الدستورية»، هكذا أكد المستشار أحمد عبد الرحمن، النائب الأول الأسبق لرئيس محكمة النقض، لـ«مدى مصر»، موضحًا أن التعديلات الدستورية الأخيرة جعلت القضاء العسكري جزءًا من السلطة القضائية بضمه إلى المجلس الأعلى للجهات والهيئات القضائية، وأعضائه شأنهم شأن باقي أعضاء مجلس الدولة أو محكمة النقض أو هيئتي النيابة الإدارية وقضايا الدولة، ومن ثم لهم الحق في التعيين بالمحكمة الدستورية وهيئة المفوضين، بل ورئاستها أيضًا.

يتفق رئيس إحدى دوائر المحكمة الإدارية العليا، فضّل عدم ذكر اسمه، مع عبد الرحمن في أن الرويني لن يكون آخر اللواءات الذين سيعينهم رئيس الجمهورية في المحكمة الدستورية، ويضيف في حديثه لـ«مدى مصر» أن انتقال العسكريين للعمل بالمحكمة الدستورية العليا يُنهي أي حديث عن استقلال المحكمة عن السلطة. يقول المصدر أيضًا أن التعديلات الدستورية الأخيرة منحت رئيس الجمهورية جميع الصلاحيات، فيما يخص شؤون القضاة من تعيينات وترقية وندب وخلافه. كما أنها جعلت القضاء العسكري هيئة قضائية تابعة للسلطة ممثلة في وزارة الدفاع من ناحية، حيث يعين وزير الدفاع رئيس هيئة القضاء العسكري وأعضائها، ومستقلة عن السلطة من ناحية أخرى، بوصفها جزءًا من المجلس الأعلى للجهات والهيئات القضائية الذي يرأسه رئيس الجمهورية، غير أن الأخير لم يكتف بذلك، وإنما اختار نقل العسكريين إلى المحكمة الأعلى قدرًا في البلاد لضمان السيطرة الكاملة.

يتفق رئيس مركز استقلال القضاء والمحاماة، ناصر أمين، على أن دخول لواءات القوات المسلحة المحكمة الدستورية العليا، وهي أعلى جهة قضائية في البلاد، هو أمر خطير يهدد طبيعة المحكمة ودورها. كما يوضح أن القضاء العسكري، حتى وإن نص الدستور على كونه جهة قضائية، إلا أنه يظل قضاءً يمارس اختصاصًا محددًا مرتبطًا بالأمور العسكرية، بعيدًا كل البعد عن اختصاص المحكمة الدستورية.

وامتدت اختصاصات المحكمة الدستورية العليا، بداية من منتصف أغسطس الماضي، إلى الرقابة على قرارات المنظمات والهيئات الدولية وأحكام المحاكم وهيئات التحكيم الأجنبية الصادرة ضد مصر، فيما يتعلق بالأمن القومي، وتحديد ما يتم تنفيذه منها، إلى جانب اختصاصاتها الأخرى في الرقابة على دستورية القوانين واللوائح وتفسيرها، والفصل في الأحكام المتناقضة الصادرة من المحاكم المختلفة في موضوع واحد، والفصل في النزاعات بين الجهات القضائية على حدود اختصاصات كل منها.

لكن المتحدث باسم «الدستورية» يرى أن التعيين الأخير هو دليل على مكانة المحكمة الدستورية، التي وافق الرويني على الانضمام لها عضوًا، بعد أن كان رئيسًا لجهة قضائية مساوية لها. «القضاء العسكري هو جهة قضائية لا تقل عن القضاء العادي ومجلس الدولة. القضاء العسكري هو جهة قضاء زينا زيه بيحكم في الجنايات العسكرية. كل قضايا الإرهاب حكم فيها، وعندهم نيابة وجنايات ونقض»، يقول غنيم.

«لما أخدنا تهاني الجبالي من المحامين، كانت أول مرة، ولما أخدنا الدكتورة فاطمة الرزاز، عميدة كلية الحقوق، محدش فتح بقه»، يضيف غنيم، معتبرًا أن الحساسية التي تم تداول بها أمر تعيين قاضٍ عسكري بالمحكمة الدستورية من جانب رجال القضاء في الجهات القضائية الأخرى، غير مبررة.

يسمح قانون «الدستورية» لها بتعيين أعضائها من رجال القانون، الذين لا تقل أعمارهم عن 45 عامًا، وذلك باختيارهم إما من العاملين بهيئة المفوضين بالمحكمة، المختارين بدورهم من جهات قضائية أخرى، أو من الهيئات القضائية الحالية والسابقة، أو من أساتذة القانون بالجامعات الحاليين أو السابقين، أو من المحامين المشتغلين أمام محكمة النقض والإدارية العليا. ورغم ذلك، جميع قرارات رؤساء الجمهورية السابقين بالتعيين في «الدستورية» كانت بنقل قضاة من الجهات والهيئات القضائية الأخرى للعمل بالمحكمة أو بهيئة المفوضين بها، باستثناء قرارين أشار لهما غنيم: الأول أصدره الرئيس الأسبق، محمد حسني مبارك، في 2003، بتعيين تهاني الجبالي، المحامية بالنقض، نائبة لرئيس المحكمة الدستورية العليا، والثاني أصدره السيسي في ديسمبر 2020 بتعيين عميدة كلية الحقوق، فاطمة الرزاز، نائبة لرئيس المحكمة.

يضيف رئيس إحدى دوائر المحكمة الإدارية العليا، الذي يعمل نائبًا لرئيس مجلس الدولة، طلب عدم ذكر اسمه، أن قانون المحكمة الدستورية العليا يعطي الأولوية في التعيين فيها لرئيس هيئة المفوضين بها، وأن اللواء الرويني جاء إلى المحكمة على حساب الرئيس السابق لهيئة المفوضين بـ«الدستورية» نفسها، المستشار عماد البشري، نجل المستشار طارق البشري، النائب الأول الأسبق لرئيس مجلس الدولة ورئيس لجنة تعديل الدستور بعد ثورة 25 يناير. كان البشري الابن عليه الدور في الانتقال للتعيين بالمحكمة، قبل أن تعلن المحكمة، في فبراير الماضي، تصعيد المستشار عوض عبد الحميد بدلًا منه في رئاسة هيئة المفوضين، قائلة وقتها إن البشري قد غادر البلاد دون توضيح تفاصيل.

لم ينفِ غنيم أحقية المستشار عماد البشري في التعيين بالمحكمة، قائلًا إن القرار الجمهوري الخاص بتعيينه لم يصدر. «كان عندنا ثلاث درجات وطلبنا تعيينه واثنين آخرين»، يقول غنيم، مضيفًا أنه بمجرد خلو أي من مقاعد المحكمة، سيتم إدراج اسم البشري في المقدمة.

وفيما لم يحدد المتحدث باسم المحكمة الدستورية أسباب ومعايير تفضيل الرئاسة والجمعية العامة للمحكمة لرئيس القضاء العسكري على رئيس هيئة المفوضين بها، يقول نائب رئيس مجلس الدولة إنه في ظل تفوق الرويني على منافسيه في كل ما يتعلق بالتحريات الأمنية، تظل إمكانية ترأسه، ومن سيأتي بعده من اللواءات، للمحكمة الدستورية العليا لعدة سنوات، أكبر من جميع قضاة المحكمة الحاليين.

ويفسر رئيس إحدى دوائر المحكمة الإدارية العليا بمجلس الدولة بأن التعديلات الدستورية الأخيرة ميزت المحكمة الدستورية العليا عن باقي الجهات والهيئات القضائية في مسألة تعيين رئيسها، فألزمت التعديلات بألا يستمر رؤساء الجهات والهيئات القضائية، وكذلك النائب العام، في مناصبهم أكثر من أربع سنوات، فيما خلت المادة الخاصة بـ«الدستورية» من هذا الشرط، حيث يمكن استمرار رئاسة المحكمة حتى سن التقاعد في القضاء (70 عامًا). وفي ظل سلطة رئيس الجمهورية في المفاضلة بين أقدم خمسة مستشارين بالمحكمة عند تعيين رئيسها، يكون حظ الرويني، البالغ من العمر 56 عامًا تقريبًا، ومن سيخلفه من اللواءات في عضوية المحكمة، الأوفر في تولي رئاستها لمدد طويلة. يؤكد نائب رئيس مجلس الدولة أنه، بعيدًا عن حسابات القضاء والقدر، إذا أكمل المستشار بولس فهمي (65 عامًا) مدته في رئاسة المحكمة حتى عام 2027، يمكن أن يخلفه الرويني أو غيره في رئاسة المحكمة لمدة لا تقل عن تسع سنوات.

المتحدث باسم الدستورية، من جانبه، يقول إن فرص تولي اللواء الرويني رئاسة المحكمة قليلة. بحسب تقديره، الدستور ألزم رئيس الجمهورية عند تعيين رئيس المحكمة بالاختيار بين أقدم خمس مستشارين، والأقدمية يحددها تاريخ الالتحاق بالمحكمة، وبالنسبة للرويني فترتيبه الـ11 بين نواب رئيس المحكمة الـ12. ولكن التقدير السابق لنائب رئيس مجلس الدولة يعتمد على اقتراب عدد من هؤلاء المستشارين من سن المعاش بالفعل.

في النهاية، يذكر غنيم أن الحديث عن إلحاق لواءات بالقضاء مردود عليه بأن رئيس الجمهورية خلع بدلته العسكرية وأصبح موظف مدني. «احنا يهمنا كفاءته العلمية وسلوكه. احنا عايزين كفاءات لأن المحكمة هي الأمينة على الدستور ونختار من نثق في أمانتهم».

شاهد أيضاً

تزايد القلق الإسرائيلي من زعزعة الاستقرار في مصر

على خلفية الأصوات الإسرائيلية التي تحذر من احتمال إفلاس مصر، فإن ذات الأصوات ترى أن …