الأحد , 25 فبراير 2024
الصفحة الرئيسية / مقالات / الأزهر والأوقاف والإفتاء وعباءة السلطة

الأزهر والأوقاف والإفتاء وعباءة السلطة

أثار مختار جمعة، وزير الأوقاف الأطول عمرًا في الحكومة الحالية، الدهشة داخل وزارته عندما طلب من مساعديه إعداد قائمة بممتلكات الأوقاف التي قد تجتذب المستثمرين الأجانب لمساعدة الدولة على إدارة الدخل، بحسب مصدر في وزارة الأوقاف.

تضم القائمة أراضٍ زراعية وعقارية في القاهرة والإسكندرية، وهي جزء من الممتلكات الوقفية، التي تجاوزت قيمتها تريليون جنيه مصري، بحسب تصريحات رسمية. تشمل هذه الأوقاف، التي نظمتها الدولة لأول مرة في عهد محمد علي عام 1835، الأوقاف الخيرية، التي يُستخدم ريعها في أغراض خيرية، والأوقاف الأهلية، التي يذهب ريعها إلى أقارب وأهلية صاحب الوقف، والأوقاف المشتركة التي تجمع سمات كل من الأوقاف الخيرية والأهلية.

جاء تحرك جمعة في خضم جدل دائر حول إدراج بعض من أملاك الأوقاف في الصندوق السيادي، وهو ما نفاه مجلس الوزراء رسميًا في 2019. في المقابل، قال المجلس حينها إن هيئة الأوقاف، التي تدير الأصول داخل الوزارة، ستقوم بتعظيم أرباحها من خلال الاستثمار في بعض أصولها من الأراضي.

بحسب مصدر الوزارة، وغيره من العاملين في المؤسسات الدينية، تعكس تحركات جمعة، والحديث عن استثمارات في الأوقاف، علاقة متنامية وتأثير مباشر من مؤسسة الرئاسة على الوزارة.

على مدار العام الماضي، أصدر المكتب الصحفي للرئيس عبد الفتاح السيسي عدة بيانات عن لقاءات جمعت بين الرئيس وجمعة لبحث «تعظيم الاستفادة من الأوقاف».

وفي 2020، صدر قانون لتعديل لائحة هيئة الأوقاف، منحها صلاحيات قانونية لإدارة واستثمار أصول الأوقاف. وفي 2021، تم إنشاء صندوق الوقف الخيري رسميًا، ويديره مجلس الوزراء مباشرة، ويهدف إلى تجميع الفوائض الناتجة عن الأوقاف وتوجيهها نحو الأولويات التي تحددها الحكومة.

«هذا الأمر مثير للجدل إلى حد كبير. جميع خطط بيع الأوقاف للمساعدة في الحصول على أموال تخدم أي غرض آخر غير الغرض المُحدد في الخطة الأصلية للأوقاف، تتعارض ببساطة مع أساسيات القواعد الإسلامية. بحكم التعريف، الوقف مخصص لغرض معين من قبل مالكه؛ ويُعد تغيير الغرض من الوقف، ناهيك عن بيعه، هو تناقض صريح مع الشريعة»، يقول باحث متخصص في المؤسسات الدينية، فضل عدم الكشف عن هويته بسبب حساسية بحثه.

محاولة الدولة للسيطرة على الأوقاف لخدمة أهداف أخرى ليست جديدة. في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، جرّد الرئيس الأسبق، جمال عبد الناصر، الوزارة من سلطتها على الأوقاف، كجزء من سياسته لفرض سيطرة الدولة على جميع جوانب الحياة. سيطرت وزارات الزراعة والإصلاح الزراعي والتعليم والصحة على جزء كبير من الأوقاف، والتي تم توجيهها لخدمة برامج عبد الناصر الإصلاحية. ويقول الباحث إن هذه الخطوة تم شرحها للجمهور ولموظفي الوزارة في ذلك الوقت كمحاولة لجعل الأوقاف أكثر فائدة للفقراء.

ومنذ منتصف السبعينيات، أصبحت هيئة الأوقاف التي استحدثها الرئيس الأسبق، أنور السادات، هي الجهة التي تدير الأوقاف، ما قلّص جزئيًا الاعتمادات المُخصصة لوزارات الزراعة والتعليم وغيرها. بهذه الخطوة، بدا السادات وكأنه أكثر تقيدًا بقواعد الشريعة الإسلامية.

يقول مصدر الوزارة إن الاعتراض الرئيسي على البيع المُحتمل لبعض أملاك الأوقاف يأتي من مشيخة الأزهر. وبحسب هذا المصدر، ومصدر آخر في الأزهر، تحدثا شريطة عدم الكشف عن هويتهما، أوضح شيخ الأزهر، أحمد الطيب، لمحدثيه من جهات تنفيذية، أنه لا يستطيع الموافقة على العبث بأصول وممتلكات الأوقاف، بما يخالف قواعد الشريعة الصريحة التي تقيد أي تعامل في أصول الأوقاف. يضيف مصدر الأزهر أنه صحيح أن الأزهر لا يسيطر على الأوقاف، إلا أن إصدار قانون يسمح بالتحكم بشكل مباشر في أصول الأوقاف، يجب أن يوافق عليه الأزهر لضمان الالتزام بأحكام الشريعة الإسلامية.

هناك سابقة مُماثلة في 2017، عندما اتخذ الأزهر موقفًا حازمًا ضد مشروع قانون لاستخدام أموال وأصول الأوقاف للمساعدة في بناء المستشفيات والمدارس، وفقًا لمصدر الأزهر. ووفقًا لمصدر الوزارة، فإن مشروع القانون المُقترح تعرّض أيضًا لانتقادات داخل الوزارة، لكن الوزير حصل على دعم بعض رجال الدين المسلمين البارزين، من بينهم علي جمعة وأسامة الأزهري، المعروفين بقربهما من مؤسسة الرئاسة. وجادل رجال الدين هؤلاء بأن إعادة صياغة أهداف الأوقاف في ضوء التطورات الاجتماعية والاقتصادية لا يعارض الشريعة، طالما تم الحفاظ على الأعمال الخيرية التي اعتبروا مشروع مثل حياة كريمة جزءًا منها.

ويقر المصدر من الأزهر أن تضامن الشيوخ المقربين من دوائر السلطة التنفيذية مع موقف وزير الأوقاف في مواجهة الإمام الأكبر، الذي يقف وحيدًا في هذه المعركة وغيرها، هو جزء من مسعى هؤلاء الشيوخ لنيل الحظوة الرئاسية. فمثلًا، أسس علي جمعة، مؤسسة مساجد عام 2021، لإدارة تجديد بعض المساجد، خاصة مساجد آل البيت النبوي. تعمل المؤسسة بالتنسيق مع الهيئة الهندسية التابعة للقوات المسلحة، ويترأس نيازي سلام مجلس أمنائها، كما يترأس بنك الطعام المصري في مؤسسة مصر الخير، التي تتلقى تبرعات كبيرة، والتي يترأسها علي جمعة نفسه. تولت مؤسسة مساجد مؤخرًا ترميم مسجد الحسين، بأموال من طائفة البُهرة، وهي طائفة شيعية في الهند، ما أثار حفيظة بعض الشخصيات السلفية لأن التجديدات حملت طابعًا شيعيًا واضحًا على الديكورات الداخلية للمسجد، وفقًا لمصدر مقرب من «مساجد». قال المصدر نفسه إن فكرة «مساجد» نبعت من رغبة علي جمعة في زيادة شعبية السيسي بين المتصوفة، الذين كانوا كتلة تصويتية تقليدية للرئيس المخلوع حسني مبارك، وهم يهتمون بمساجد آل البيت.

بالتوازي مع معركة أصول الأوقاف، برز خلاف آخر حول الوزير جمعة مؤخرًا، بحسب المصدر داخل الوزارة، لسوء تعامله مع موضوع صلاة التهجد في العشرة الأواخر من شهر رمضان. بعد بداية الشهر في 2 أبريل الماضي، أعلن الوزير عن خطط لحظر صلاة التهجد، مُبررًا ذلك بالوقاية من العدوى في ضوء انتشار فيروس كوفيد-19. قوبل القرار بغضب شعبي عبر وسائل التواصل الاجتماعي، خاصة أن معظم تدابير التباعد الاجتماعي المتعلقة بالفيروس كانت قد انتهت بالفعل في ذلك الوقت، بحسب مصدر الوزارة.

ويقول المصدر إن الوزير رفض نصيحة بعض مساعديه ضد القرار، بحجة أن «الأمن الوطني» وراء صدوره. وقال المصدر نقلًا عن جمعة إن الأمن كان يخشى من تحركات احتجاجية محتملة ضد ارتفاع الأسعار من الجماهير الكبيرة التي تحضر الصلاة.

بعد وقت قصير من إعلان الوزير قراره، قرر الطيب فتح جامع الأزهر لصلاة التهجد في العشر الأواخر من رمضان، كون الجامع لا يخضع لوزارة الأوقاف، لأن الأزهر مؤسسة مستقلة. بعدها، اقترحت الأجهزة الأمنية السماح بفتح جميع مساجد وزارة الأوقاف للصلاة ثلاث ليالٍ متتالية. لكن، بحسب مصدر الوزارة، التدخل لم ينقذ جمعة من الانتقاد المتزايد داخل الوزارة.

وبحسب مصدر الوزارة، كانت الأجهزة الأمنية حذرة من الأعداد الكبيرة للمصلين في المساجد يوم عيد الفطر في 2 مايو الماضي، ولم يرغب الوزير ولا الأجهزة الأمنية، على حد قوله «في رؤية مثل هذه الأعداد الهائلة تتزايد، ولا يرغبون في رؤية هذا يحدث مرة أخرى في يوليو [عيد الأضحى]». وبحسب المصدر، شهد مقر وزارة الأوقاف اجتماعات بين الوزير ومسؤولي مديريات الأوقاف في الجمهورية وشخصيات أمنية مركزية ومحلية لاتخاذ قرارات واضحة بشأن الأماكن التي يُسمح فيها بإقامة صلاة العيد وسرعة الخطبة ونصها، بما يحول دون إتاحة أي فرصة لتجمعات أو أي إعراب عن غضب اجتماعي. ويقول المصدر أيضًا أن الوزير قد راجع بعناية قائمة الأئمة الذين سيخطبون في صلاة العيد، وأرسلها مع قائمة الأئمة الاحتياطيين للتدقيق الأمني.

يضيف المصدر في الوزارة إن جمعة أوقع نفسه في مشكلة مرة أخرى عندما قرر فرض نص موحد لخطبة الجمعة. «هذا أمر غير مسبوق. يتلقى الأئمة منذ سنوات تعليمات بشأن الخطوط الحمراء، لكنهم لم يُجبروا على قراءة نص يتم توزيعه من مكتب الوزير».

منذ عام 2014، تصدر الوزارة نصوصًا أسبوعية لخطبة الجمعة؛ مع تعليمات مفادها أن الشيوخ يجب أن يلتزموا بالقضايا التي وردت في النص، وبطريقة تناولها، بمعنى أن النص المنشور استرشادي وليس إجباري.

يختلف الوضع عند الأزهر، الذي يصعب السيطرة عليه مثل وزارة الأوقاف، بسبب استقلاله النسبي، الأمر الذي يحرص عليه شيخ الأزهر بشكل كبير، بحسب الباحث في المؤسسات الإسلامية في مصر، جورج فهمي.

هذه الاستقلالية هي ما تفسر الخلاف المتنامي بين السلطة التنفيذية وشيخ الأزهر. مثلًا، رغم دعم الطيب للسيسي في الإطاحة بجماعة الإخوان المسلمين من السلطة في يوليو 2013، إلا أنه عارض، وفقًا لمصدر الأزهر، فض اعتصام الجماعة في أغسطس التالي، عندما قُتل أكثر من 900 شخص. نقلت المصادر آنذاك عن الطيب وصفه للفض بأنه «حرام».

بعد سنوات، ظهر خلاف واضح، لدرجة أن السيسي حاول إزاحة الطيب من منصبه.

وفقًا لقانون صدر في 2012، قبل فترة وجيزة من الإطاحة بجماعة الإخوان المسلمين من السلطة، يتم انتخاب الإمام الأكبر مباشرة من هيئة كبار العلماء، وهي لجنة عليا داخل المؤسسة، ويظل في منصبه حتى بلوغه الثمانين من عمره. أضعف هذا القانون من سطوة السلطة التنفيذية على الأزهر الممتدة منذ أوائل الستينيات، عندما سيطر عبد الناصر على المؤسسة، وأصبح رئيس الجمهورية من يصدر قرار تعيين شيخ الأزهر. في محاولة لاستعادة هذه السيطرة، تم تقديم مشروع تعديل للقانون في عام 2017، من خلال برلمان متوافق إلى حد كبير مع السلطة. اقترح التعديل أن يقضي شيخ الأزهر فترتين فقط في منصبه، مع إمكانية خضوع أدائه للمسائلة. لم يصدر التعديل آنذاك، بحسب مصدر داخل البرلمان والمصدر الأزهري، خوفًا من ردود الفعل التي كان من الممكن أن يثيرها، وأشار المصدران إلى تدخل إماراتي لصالح الطيب.

عام 2020، أرسل الطيب رسالة إلى البرلمان تحمل انتقاداته لمشروع قانون بشأن دار الإفتاء، ثالث الهيئات الإسلامية في مصر، إلى جانب الأزهر ووزارة الأوقاف. عبّرت رسالة الطيب عن استيائه من تجاوز بعض المسؤوليات الثابتة للأزهر في الإشراف على الفتاوى الشرعية، وفقًا للدستور المصري. يضيف مصدر الأزهر أن مشروع القانون كان محاولة من قبل السلطة التنفيذية لتقويض سلطة الأزهر من خلال مؤسسات إسلامية أخرى، بعد فشل محاولة عزل الطيب. تم تمرير القانون مع تعديلات طفيفة ولم يُثر الطيب ضجة كبيرة.

على الرغم من التزامه بالشكليات التي تُظهر دعمه للسيسي، إلا أن الطيب يوصف عمومًا بأنه ينأى بنفسه بعيدًا عن السلطة، وهو سلوك أدى إلى هجوم إعلامي ضده من قبل مذيعين مقربين من النظام. على عكس رجال الدين الآخرين الذين يتنافسون على ثقة الرئيس، يقول المصدر الأزهري، إن الطيب ليس مهتمًا على الإطلاق بالتواجد في معسكر أي شخص «لأنه يعتقد أنه صاحب مكانة بارزة في ظلال خدمة القرآن».

أصدر مبارك قرارًا بتعيين الطيب في 2010، عندما كان في أوائل الستينيات من عمره. درس الطيب الفلسفة الإسلامية في جامعة السوربون، وكان يُنظر إليه على أنه رجل دين إصلاحي مهتم بالتحديث. جاء تعيينه عقب تعيين محمود حمدي زقزوق وزيرًا للأوقاف، وهو إصلاحي آخر، فيما كان يُعتقد أنه محاولة بذلها مبارك لتحديث المؤسسات الدينية.

ومع ذلك، وبحسب فهمي، فقد انصب تركيز الطيب على الحفاظ على استقلالية مؤسسته بعد تغيّر السلطة عام 2013، بدلًا من التركيز على الإصلاح. وفي هذا السياق، على عكس وزير الأوقاف، وشوقي علام، مفتي مصر، لم يُظهر الطيب أي اهتمام بالانخراط في النقد المفرط للإسلام السياسي، والذي غالبًا ما يُستخدم لخدمة الأجندة السياسية للنظام، كما يقول فهمي.

ويرى فهمي أن ابتعاد الطيب عن السلطة التنفيذية ليس أمرًا مقبولًا من السلطات، خاصة عند مقارنته بجمعة وعلام، اللذين يبذلان جهدًا حثيثًا للإشادة بالرئيس والحرص على إرضائه.

وقد حصل علام على لقب «مفتي أحكام الإعدام» نظرًا للعدد الكبير -بشكل استثنائي- من أحكام الإعدام التي صادق عليها خلال السنوات الماضية، وخاصة عام 2021. وأشارت منظمة العفو الدولية إلى أن مصر كانت ثاني أكبر منفذ لأحكام الإعدام في العالم عام 2020.

يبتعد الطيب بنفس القدر عن علام، الذي تولى منصبه في فبراير 2013، بناءً على ترشيح هيئة كبار العلماء بالأزهر، وعن جمعة الذي تولى منصبه في يوليو 2013. وبحسب فهمي، هناك خلاف مفاهيمي عميق بينه وبينهما، إذ لا يعتقد الطيب أن مواجهة الجماعات المسلحة تأتي من خلال خضوع المؤسسات الدينية للسلطات الحاكمة، وإنما من خلال إصلاح العلاقة بين السلطة التنفيذية والمؤسسات الدينية لاستعادة مصداقية آراء العلماء.

«عمل نظام الضباط الأحرار على تقويض جميع الكيانات التي لا تخضع لسلطة الجيش؛ ووضع عبد الناصر الأوقاف تحت قبضة السلطة التنفيذية التي تمثل المجتمع المدني. في حين كان الأزهر يمثّل حيزًا، يتكون من رجال دين مؤثرين، ولا يخضع للسيطرة. ونحن نشهد اليوم إعادة للسيناريو القديم لتحقيق السيطرة من جديد»، يقول فهمي.

شاهد أيضاً

السلطات تحجب موقع “مدى مصر” بسبب تقرير عن “التهجير من غزة”

قرر المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في مصر، حجب موقع “مدى مصر” الإلكتروني، لمدة 6 أشهر، …