السبت , 13 أغسطس 2022
الرئيسية / مقالات / «الابتزاز الإلكتروني».. الوصم في غياب «منظومة عدالة متكاملة»

«الابتزاز الإلكتروني».. الوصم في غياب «منظومة عدالة متكاملة»

في عامها الجامعي اﻷول ارتبطت ليلى*، 21 عامًا، بأحد زملائها ثم اكتشفت بعد أكثر من عام أنه يستغلها ماليًا هي وأخريات، وحين قررت تحذيرهن، هددها بنشر صور تخصها وأخرى تجمعهما، وإرسال تلك الصور ﻷسرتها، فيما حكى لمحيطين تفاصيلًا خاصة عن علاقتهما.

كان عمر ليلى وقتها 19 عامًا، لم تعرف ماذا تفعل، لجأت ﻷصدقاء مشتركين ولأستاذة في الجامعة، اعتبروا جميعًا أنها المخطئة، وطلبت منها الأستاذة «سكرين شوت» للتهديد، لم تتخذ أي إجراء بعد حصولها عليه.

تقول ليلى لـ«مدى مصر»: «سمعتي انضرت. كل الناس كانت بتقولي عاملة نفسك شريفة وأنتي وسخة. هددني كمان يفبرك صور ليا وتسجيلات. قعدت سنة كاملة خايفة أروح الجامعة. كنت بروح بس على الامتحانات».

اﻷمر نفسه تكرر مع سحر* 28 عامًا، وتعمل في تقنية المعلومات، والتي تعرضت قبل عشر سنوات للابتزاز والتهديد بنشر صورها إلكترونيًا، وإرسالها لأسرتها من شخص كانت على علاقة به لعامين. تحكي سحر لـ «مدى مصر»: «أنا كنت باعتالُه صور ليا وأنا في البيت من غير حجاب. هددني بالصور دي عشان كان عايزني أروحله البيت. ما كانش عندي حد ألجأ له أو أحكيله. رد فعل أهلي كان هيبقى مأساوي. قررت أن لو فيه ريسك 50% ينشر صوري ويبعتها لأهلي، هيكون 100% لو روحتله البيت، فقلت له: اعمل اللي أنت عايزه بالصور، وعملتله بلوك».

خلال الشهرين الماضيين، أنهت فتاتين قاصرتين حياتهما بسبب الابتزاز الإلكتروني والتشهير. في 23 ديسمبر، أنهت بسنت خالد، 17 عامًا، حياتها بعد حملة تشهير وتنمر من المحيطين بها بعدما نشر شخصان صورًا خاصة منسوبة لها على وسائل التواصل الاجتماعي، وفي 29 يناير أنهت هايدي شحتة، 16 عامًا، حياتها بعد نشر صور خاصة منسوبة لها على وسائل التواصل الاجتماعي، ضمن عملية ابتزاز تعرضت لها هي وأسرتها.

«الابتزاز الإلكتروني هو أكتر حاجة بيتبعت عليها رسائل من ساعة ما بدأنا، وكل يوم بييجي مش أقل من 100 رسالة بتتكلم عن ده، انتحار بسنت وهايدي خلى الناس تركز أكتر في المشكلة» تقول جهاد حمدي من «Speak Up»، المبادرة النسوية التي تبنت حملات وقدمت دعمًا لنساء واجهن أشكالًا مختلفة من العنف على مدار العامين الماضيين.

ترجع حمدي ما قامت به بسنت وهايدي إلى الخوف من الأهل والمجتمع، ومن وصم يستمر مدى الحياة نتيجة فعل قامتا به أو لم تقوما به. وتضيف لـ«مدى مصر»: «الجريمة دي عمرها ما هتكون موجودة لو المجتمع في حالُه، والأهالي متفهمة، ومستعدة تتقبل غلطات البنات زي الولاد. لأن المبتزين في الأصل بيعتمدوا على التهديد بالأهل ووصم المجتمع».

تمنت ليلى لو استطاعت أن تحكي لأسرتها، وأن تحصل على دعم من أستاذتها، فيما قالت سحر إن «الأهل كدة كدة بعيد، مش هيتفهموا، هيشوفوا إني غلطانة حتى لو ضحية، وبتوصل لحد يقتل حد عشان المجتمع مش هيقبل إني أنا بعت الصور. الأهل لازم يبطلوا يلوموا البنات، أنا كنت حاسة إني لوحدي وخايفة عشان مفيش حد أحكيله».

وفي حين تمنت ليلى لو كان لديها وعي ومعرفة أن بإمكانها تحرير محضر ضد المبتز، اعتبرت سحر أن «دلوقتي فيه أمل في بلاغات، بس مفيش أمان، بالذات أن فيه بيانات لبنات بتتسرب من النيابة».

كانت فتيات كثيرات تشجعن للإبلاغ عن تعرضهن للابتزاز الإلكتروني مع بدء الحركة النسوية ضد العنف الجنسي قبل عامين، وما أظهرته النيابة العامة من اهتمام بالموضوع، وما تبعه من سلاسة لافتة في عملية تحرير البلاغات، حسبما تقول المحامية عزة سليمان لـ«مدى مصر»، موضحة أن المشكلة كانت في عدم جاهزية الشرطة لهذا الكم من البلاغات. «بيروحوا يلاقوا ما حدش فاهم، وفيه أحكام أخلاقية: بعتيله صور ليه؟ أو يتقالهم الموضوع مش مستاهل، اعمليله بلوك»، لافتة إلى أن الوضع في المحافظات أشد سوءًا من القاهرة، وأن أغلب النساء لا يحررن محاضر خوفًا من العادات والتقاليد وخوفًا من نفوذ المبتزين.

من جانبها، قالت حمدي إن أغلب النساء اللاتي يتعرضن للابتزاز الإلكتروني لا يتخذن مسارًا قانونيًا بسبب خوفهن من أن «الأهل يعرفوا أثناء القضية، أو خوفهم من أن القضية هتاخد وقت وأن مفيش إجراء هيمنع الشخص اللي بيهددهم في وقتها»، وهي ترى أنه يجب تسريع وقت تعامل مباحث الإنترنت مع البلاغات، «لأن اللي بيتم تهديدها ممكن حياتها تتدمر أو تنتهي خلال الـ21 اليوم اللي بتستناهم عشان المحضر يروح النيابة. كمان محتاجين يكون فيه سرية لبيانات الضحايا وأن مش شرط الأهل يعرفوا أو يكونوا موجودين أثناء البلاغ لأن لو البنت مش قادرة تقولهم عشان خايفة منهم ده هيخلي الموضوع أصعب».

***

قرب نهاية يناير الماضي، علم مهندس الدعم الفني محمد ونس بوجود موقع إلكتروني يحتوي على مئات الصور الخاصة لفتيات وسيدات، والتي وجدها تنوعت بين صور في الشارع أو في بيوتهن، وبعضها صور لنساء عاريات تمامًا. تقدم ونس، المقيم في الإمارات العربية المتحدة، بعريضة إلكترونية للنيابة العامة المصرية، برقم «136979»، بهدف تتبع القائمين على هذا الموقع، والقبض عليهم، حسبما قال لـ«مدى مصر».

كانت «Speak Up» بدورها قد تواصلت إلكترونيًا مع النيابة العامة بخصوص الموقع نفسه، وردت النيابة بأنها تباشر الإجراءات بحسب ما قالته حمدي لـ«مدى مصر»، مضيفة أنهم يرسلون الشكاوى التي تصلهم من النساء حول مثل هذه المواقع للنيابة العامة، لكن «للأسف قانونًا ما حدش يقدر يبلغ غير أصحاب الصور نفسهم».

توضح عزة سليمان أن المتضررة هي التي يمكنها الإبلاغ بنفسها، أو عن طريق توكيل خاص لمحام أو شخص آخر، يكون بحوزته الهاتف الشخصي للمتضررة، حتى تتمكن مباحث الإنترنت من فحص مضمون البلاغ.

بعد أسابيع من الإعلان عن وجود الموقع الذي يضم الصور، ودون إعلان من النيابة عن اتخاذ إجراء بخصوصه، أعلن ونس أن الموقع تم إغلاقه، معتبرًا أن هذا لن يحل المشكلة، «هتشيل الصور منين ولا منين؟ لو موقع اتقفل، هتتحط على 50 موقع تاني».

ونس أشار إلى أن مثل تلك الصور تتم سرقتها من حسابات مفتوحة على مواقع التواصل الاجتماعي، أو عبر أشخاص في شبكات الأصدقاء في الحسابات الخاصة، «أنا دخلت لقيت صورة بنت أعرفها، قالتلي إنها كانت حطتها على إنستجرام من خمس شهور ومسحتها»، أو عبر سرقة الحسابات أو الأجهزة الإلكترونية، فضلًا عن وجود «collectors بيجمعوا الصور ويبيعوها»، فيما لفت إلى أن الهدف من مثل تلك المواقع هو ابتزاز الفتيات لمضايقتهن أو للحصول على مقابل مالي، أو تحقيق ربح عبر مشاهدات على الموقع، أو لبيع «الداتا» بمقابل.

التقني والباحث في أمن المعلومات والخصوصية، رامي رؤوف، أوضح لـ«مدى مصر» أن كل منصة إلكترونية تقدم خدمات تواصل اجتماعي بكافة أشكاله ملزمة بتطوير وتبني حزمة من سياسات الخصوصية، وحماية المستخدم، وقواعد الاستخدام، غير أنه أشار إلى أن «جزء من التحدي أن أغلب الانتهاكات بتحصل بناء على ما نطلق عليه هجمات هندسة اجتماعية، وانتحال صفة وخداع، مش بإساءة استغلال ثغرات في المنصة أو التقنية نفسها».

واعتبر رؤوف أن تعامل الشركات مقدمة الخدمات الإلكترونية بطئ في تطوير قواعد حماية للنساء، مقارنة بالإجراءات القانونية الخاصة بحماية النساء من العنف الجنسي والابتزاز والانتهاكات القائمة على النوع الاجتماعي بشكل عام.

من جهته، رأى المحامي والباحث في «مسار مجتمع التقنية»، حسن الأزهري، أن الشركات التي تقدم خدمات إلكترونية تطور من سياساتها ضد الابتزاز الإلكتروني وخطاب الكراهية، ولحماية الخصوصية، كما أنها تناقش بشكل دوري مع خبراء ونشطاء آليات أفضل للإبلاغ عن الجرائم الإلكترونية، لكن، كما قال لـ«مدى مصر»، يظل الأمر في النهاية محدودًا لأن السياسات تعتمد على خوارزميات، أو ألية إبلاغ بعد المخالفة، مبديًا تخوفه من إعطاء الشركات صلاحيات أكبر للمراقبة، وصولًا لامتلاكها سلطات مطلقة، مثل بعض الحكومات.

التخوف الثاني لدى الأزهري تعلق بالمطالبات بتشديد العقوبات الخاصة بحماية الحياة الخاصة للأفراد في مواد قانون الجريمة الإلكترونية، لكون تلك المواد نفسها هي ما يستخدم على أرض الواقع بدعوى الحفاظ على القيم الأسرية، مثلما حدث في قضايا «فتيات تيك توك»، وماركو جرجس الذي صدر حكم بحبسه خمس سنوات باستخدام المادة نفسها، بسبب صور على هاتفه.

كانت النائبة البرلمانية منى عبد الله أعلنت عقب واقعتي بسنت وهايدي أنها ستتقدم بمشروع لتعديل قانون جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018، لزيادة ما فيه من عقوبات لانتهاك حرمة الحياة الخاصة.

تنص المادة 25 من القانون على أن «يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر، وبغرامة لا تقل عن خمسين ألف جنيه ولا تجاوز مائة ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من اعتدى على أي من المبادئ أو القيم الأسرية في المجتمع المصري، أو انتهك حرمة الحياة الخاصة أو أرسل بكثافة العديد من الرسائل الإليكترونية لشخص معين دون موافقته، أو منح بيانات إلى نظام أو موقع إلكتروني لترويج السلع أو الخدمات دون موافقته أو بالقيام بالنشر عن طريق الشبكة المعلوماتية أو بإحدى وسائل تقنية المعلومات، لمعلومات أو أخبار أو صور وما في حكمها، تنتهك خصوصية أي شخص دون رضاه، سواء كانت المعلومات المنشورة صحيحة أم غير صحيحة».

وتنص المادة 26 من القانون نفسه على أن «يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنتين ولا تجاوز خمس سنوات وبغرامة لا تقل عن مائة ألف جنيه ولا تجاوز 300 ألف جنيه أو بإحدى العقوبتين كل من تعمد استعمال برنامج معلوماتي أو تقنية معلوماتية في معالجة معطيات شخصية للغير لربطها بمحتوى مناف للأداب العامة أو إظهارها بطريقة من شأنها المساس باعتباره أو شرفه».

بحسب الأزهري، فإن مواجهة الابتزاز الإلكتروني تقتضي نشر الوعي بتلك الجريمة عبر الإعلام، وفي حين لفت اﻷزهري إلى أنه لا توجد قانونًا جريمة تسمى «ابتزاز إلكتروني»، اعتبر أن تفعيل وتنفيذ المواد القانونية المتناثرة في قوانين العقوبات والجريمة الإلكترونية، التي تخضع لها جرائم التهديد والتشهير والابتزاز، يعد بديلًا لزيادة العقوبات في قانون الجريمة الإلكترونية.

كانت محكمة الجنايات قضت في 10 فبراير بحبس خمسة متهمين، عشر سنوات لاثنين وست سنوات لثلاثة، والذين كانت النيابة أحالتهم لها في 5 فبراير، بتهم تهديد الطفلة «هايدي» عبر تطبيق تواصل اجتماعي، وإفشائهم صورًا منسوبة لها، إلى جانب تهمتي الاعتداء على حرمة الحياة الخاصة، وعلى قيم اﻷسرة في المجتمع المصري. التهمتين اﻷخيرتين وجهتا كذلك للمتهمين الـ11 في «قضية بسنت»، إلى جانب تهم: «الإتجار بالبشر، وهتك عرض بالقوة والتهديد، إلى جانب تهديدها بنشر صور خادشة لشرفها»، والذين أحيلوا للجنايات، وتنتظرهم جلسة في 8 مارس المقبل.

من جانبها، رأت عزة سليمان أنه هناك حاجة لمنظومة قانونية متكاملة لمناهضة العنف ضد النساء، قائلة إنه لا بد من سن «قانون العنف ضد المرأة» مشتملًا على جريمة «الابتزاز الإلكتروني» وكذلك على ضمان حماية الشهود والمبلغين.

وأضافت: «المشكلة أن القوانين بتصنع بالترقيع بدون استراتيجية واضحة للتشريع ومراعاة لأبعاد المشكلة والقانون، عشان كده بقول منظومة متكاملة»، فيما أكدت أن القانون هو إحدى الأدوات، ولتطبيقه يجب تأهيل من يطبقوه، وإنشاء وتفعيل وحدات مناهضة العنف ضد المرأة في أقسام الشرطة، وأن يكون هناك امرأة على الأقل في كل قسم شرطة، ذلك إلى جانب وجود خطاب إعلامي وديني يعكسان قيم القانون.

«ده لو حصل البنت مش هتخاف من أهلها، وهتبقى عارفة أنها هتاخد حقها، وعارفة أن الولد مجرم حتى لو هي اللي ادِتلُه الحاجة، والولد يخاف ويبقى عارف أنه عمل حاجة غلط»، تقول سليمان.

*أسماء مستعارة

شاهد أيضاً

ما وراء تسريع قرارات تجديد حبس المعارضين في مصر؟

رصدت الجبهة المصرية لحقوق الإنسان، أخيراً، صدور قرارات من رئيس الدائرة الثالثة جنايات إرهاب، المستشار …