السبت , 21 مايو 2022
الرئيسية / مقالات / عمق إستراتيجي وقضايا مصيرية.. تساؤلات حول الموقف المصري من “الانقلاب” في السودان

عمق إستراتيجي وقضايا مصيرية.. تساؤلات حول الموقف المصري من “الانقلاب” في السودان

رغم تصاعد التوترات السياسية والأمنية بالسودان، فإن رد الفعل المصري كان -وفق مراقبين- على المستوى الرسمي “فاترًا”، وذلك أثار تساؤلات بشأن القراءة المصرية لتطورات الأزمة الحالية لدى الجار الجنوبي الذي يمثل عمقًا إستراتيجيًا، ويتشابك معها في ملفات حيوية ومصيرية، على غرار أزمة سد النهضة الإثيوبي.

وأمس الاثنين أعلن رئيس مجلس السيادة في السودان عبد الفتاح البرهان -ضمن قرارات استثنائية- فرض حالة الطوارئ، وحلّ مجلس السيادة الذي كان يشرف على الانتقال إلى حكم مدني، وكذلك حل مجلس الوزراء، قبل أن يعلن لاحقا أن رئيس الحكومة عبد الله حمدوك قيد الإقامة الجبرية في القصر الرئاسي.

وهذه التطورات السريعة بالسودان، قابلتها القاهرة ببيان مقتضب لوزارة الخارجية، أعلنت فيه متابعتها للأحداث من كثب، وأهمية تحقيق الأمن والاستقرار للشعب السوداني والحفاظ على مقدراته، ودعوة جميع الأطراف لتغليب المصلحة والتوافق الوطني.

وثمة إشارة مهمة في ما يتعلق بتعاطي القاهرة مع الأحداث السودانية، تتمثل في أن المكون العسكري كان على وفاق مع القاهرة، منذ الإطاحة بحكم الرئيس المعزول عمر البشير عام 2019، خلافًا لحكومة عبد الله حمدوك، التي كانت لها توجهات مغايرة في التعاطي مع ملفات مشتركة، بخاصة المرتبطة بإثيوبيا.

ومن منطلق الثوابت التاريخية والجغرافيا السياسية والروابط الحضارية بين البلدين، يبقى الدور المصري ذا أهمية في حل الأزمة السودانية، بعد انسداد الأفق بين المكونات الداخلية، وفق محللين وخبراء تحدثت إليهم الجزيرة نت، اتفقوا على استبعاد انحياز بلادهم لطرف على حساب آخر.

كما اتفق المحللون على أن الأحداث الحالية، وما يشوبها من توترات حادة بين المكونين المدني والعسكري لن تكون ذات تأثير جوهري في العلاقات مع القاهرة، لكن تبقى مخاوف عدم الاستقرار تلقي بظلالها على مصر، سواء عبر تدفق اللاجئين أو الهجرة غير الشرعية أو حدوث توتر يخلق بيئة حاضنة للإرهاب.

حالة انتظار

مشيرًا إلى عدم وضوح الموقف الرسمي المصري حيال تطورات الأوضاع في السودان، قال الأكاديمي المحلل السياسي خيري عمر إن القاهرة تؤيد عدم الانجرار إلى تفكك السلطة والدولة السودانية، وربما تكون في حالة انتظار لما ستؤول إليه الأوضاع.

واستبعد عمر انحياز مصر لطرف على حساب آخر، في الأزمة السودانية الراهنة؛ في ضوء موقفها السابق المتمثل بالاحتفاظ بمسافة واحدة من المكونين المدني والعسكري بعد الإطاحة بالبشير.

وعن تداعيات التوترات السودانية الراهنة، توقع الأكاديمي المصري عدم تأثيرها في القاهرة وأكد أنها لن تكون جوهرية، مشيرًا في الوقت ذاته إلى أن سيطرة المكون العسكري على الأوضاع السودانية تمثل تقاربًا مع المصالح المصرية ولا تهددها.

وأوضح أن المكون العسكري في السودان كان على وفاق منذ البداية مع تحركات القاهرة في أكثر من ملف، وعلى رأسها أزمة سد النهضة، مشيرًا إلى أن المكون العسكري كان يدعم التقارب مع مصر في ملف السد، خلافًا لحكومة حمدوك التي كانت لها اتجاهات نحو أفريقيا وإثيوبيا أكثر منها إلى مصر.

وعن سيناريوهات الوساطة المصرية لتقريب وجهات النظر بين الفرقاء في السودان، رأى الأكاديمي المصري أن القاهرة تراقب الأحداث، وما دامت القيادة السياسية المصرية لم تعلن شيئًا من هذا القبيل فلا يمكن الخوض في تفسيرات معينة، على غرار القيام بالوساطة.

الأمن القومي

في المقابل، شدد الخبير في الشأن الأفريقي والأمن القومي المصري اللواء محمد عبد الواحد على التأثير المباشر للأحداث السودانية الراهنة على بلاده، وقال إن مصر والسودان تمثل كل منهما عمقًا إستراتيجيًا للأخرى، من منطلق الثوابت التاريخية والجغرافيا السياسية والروابط الحضارية، والجوار والحدود المشتركة.

واستشهد في هذا الصدد بتعداد الجالية السودانية في مصر، التي تقدر بنحو 5 ملايين، مشيرًا إلى أن معظمهم جاء إلى مصر نتيجة أحداث سياسية سابقة من قبل.

وحذَّر من تداعيات عدم الاستقرار في السودان، بما يؤثر بصورة مباشرة على مصر، سواء عبر تدفق اللاجئين والهجرة غير الشرعية وحدوث عمليات إرهابية، مشيرًا إلى أن أي توتر يخلق بيئة حاضنة للإرهاب الذي ينتقل إلى دول الجوار كما حدث في ليبيا من قبل.

وقال إن المناطق الشرقية في السودان كانت تمثل معبرًا لخط سير العمليات الإرهابية أو الهجرة غير الشرعية أو الجريمة المنظمة، شرقًا إلى شبه جزيرة سيناء (شمال شرقي مصر) أو شمالًا إلى أوروبا.

وفي ضوء هذه المخاوف، شدد الخبير الأمني أن بلاده حريصة على استقرار السودان، وتراقب الأحداث الراهنة بدقة، باعتبارها ذات تأثير مباشر على الأمن القومي المصري.

تصحيح المسار

وعن الموقف المصري من الأحداث السودانية، أوضح عبد الواحد أن كل طرف من القاهرة والخرطوم يستقوي بالآخر في ظل التحديات التي تكاد تكون مشتركة في جميع المجالات.

ورأى أن سيطرة العسكريين في السودان تمثل حركة لتصحيح المسار السياسي، مستشهدًا بحديث الفريق البرهان في بيانه الذي أشار فيه إلى حالة الفوضى بالشارع السوداني، ولزوم القيام بإجراءات لحفظ الأمن والاستقرار، واعتبار الجيش حاميًا للثورة في ظل الانقسامات الراهنة، على حد قوله.

وتوقع عبد الواحد أن تستقيم الأمور بعد الإجراءات الأخيرة بالسودان، وإن كانت دواء مرًّا، حسب وصفه، مشددًا على أن القاهرة لا تنحاز لطرف على حساب آخر، باعتباره أمرًا مرفوضًا في السياسة الخارجية تجاه دول الجوار وعلى رأسها السودان، بل هي حريصة أن تقف في منطقة وسط بين الأطراف كافة.

وأوضح أن مصر كانت في موقف الوسيط بين الحكومة والمعارضة في حكم البشير، وفي فترة الحراك الثوري كانت في موقف وسط بين المكونين العسكري والمدني.

وعن دور القاهرة في التوسط بين الفرقاء في المرحلة القادمة، قال الخبير الأمني إن مصر ترحب بذلك، والقيادة السياسية حريصة على القيام بهذا الدور، وعادة ما تنوّه إلى استعدادها لتقديم كل التسهيلات للمساعدة وحفظ الأمن والاستقرار بالسودان.

وفي ما يخص تداعيات الأزمة السودانية على ملف سد النهضة، أوضح عبد الواحد أن مصر تستقوي بالسودان وترغب أن يكون له جيش ودولة قوية؛ للوقوف معا في مواجهة التعنت الإثيوبي واتخاذ مواقف مشتركة للتوصل إلى اتفاق قانوني ملزم.

وذهب بالقول إلى أن آفاق التعاون الثنائي بين القاهرة والخرطوم في أفريقيا ليست مرتبطة بأديس أبابا فحسب، بل مع جميع دول حوض النيل، إذ سبق أن اتخذ البلدان موقفًا موحدًا بشأن بعض بنود الاتفاقية الإطارية لدول حوض النيل.

ما يجري حاليا في السودان والعراق ولبنان وفي غيرها من الدول العربية، بما في ذلك الدول التي تبدو هادئة على السطح، يؤكد بما لا يدع مجالا للشك ان في أعماق الشعوب العربية كافة بركان يغلي، لانها لن تقبل الخضوع للأمر الواقع إلى الابد، وان هذا البركان بدأ يقترب مرة أخرى من لحظة الانفجار

— Hassan Nafaa (@hassanafaa) October 25, 2021

احتياج دائم

متفقًا قليلًا مع الطرح السابق، أكد الدبلوماسي المصري السابق فرغلي طه -مساعد وزير الخارجية الأسبق- أن مصر لم ولن تغض الطرف عن أي حدث فى السودان، باعتباره ليس فقط بلد جوار جغرافي ولكنه من أكثر الجيران تأثيرًا في الأمن القومي المصري من حيث موقعه واشتراكه في مجرى نهر النيل.

وشدد طه أن كل ما وقع ويقع في السودان يؤثر في مصر ويتأثر بها، مطالبًا السلطات المصرية بمراقبة ما يحدث في السودان والتدخل فيه أحيانا لمصلحة استقرار البلدين.

وعما يثار حول الموقف المصري من الأزمة، أشار طه إلى أن هناك أطرافًا فى السودان ترحب وتطالب بتدخل مصر في مقابل رفض أطراف أخرى، لاعتبارات ذاتية لدى الطرفين.

وشدد الدبلوماسي السابق أن البلدين في جميع الأحوال “في علاقات احتياج دائم ومصير واحد، ولا يملك أحدهما ترف التخلي عنها أو إفسادها”.

أما مسألة سد النهضة في ضوء التوترات الداخلية السودانية، فإن تأثيرها السلبي على البلدين معروف -وفق طه- مشددًا على ضرورة التنسيق المشترك بدافع المصير والاحتياج.

وتطرق في هذا الصدد إلى أنه حين حاولت السياسة السودانية فى بعض المراحل أن تتغاضى عن سياسات إثيوبيا، أو حتى أن تكون على الحياد ما لبثت أن أدركت صعوبة ذلك، بل تبيّنت خطأه وسلبياته على مصالح السودان، وفق قوله.

وعن معوقات الأزمة السودانية ودور مصر في تهدئة الأوضاع، أوضح طه أن الخطورة فى الأزمة السودانية الحالية تكمن في تعدد الأطراف المتداخلة فيها إيجابًا أو سلبًا، ومن ثم فالانقسام الداخلي أخطر من مواجهة أي مشكلة خارجية .

شاهد أيضاً

احباط هجوم انتحاري في سيناء

نجحت الاجهزة الامنية المصرية في احباط هجوم انتحاري كانت احدى العناصر الارهابية بصدد تنفيذه في …