الخميس , 2 ديسمبر 2021
الرئيسية / مقالات / تطوير «نزلة السمان»: حبس ونقل وإزالات دون توضيح «الخطة» للأهالي

تطوير «نزلة السمان»: حبس ونقل وإزالات دون توضيح «الخطة» للأهالي

جدّد قاضي المعارضات بمحكمة الهرم الجزئية، السبت الماضي، حبس ستة من أهالي نزلة السمان 15 يومًا، على ذمة التحقيق في اتهامهم بـ«التظاهر دون ترخيص، والتجمهر، والبلطجة» حسبما قال محامي الأهالي لـ«مدى مصر»، موضحًا أن قوات اﻷمن قبضت عليهم اﻷربعاء الماضي، بعدما شاركوا في وقفة احتجاجية مطالبين بمعرفة مصيرهم في ضوء ما تشهده منطقة نزلة السمان من إزالات.

كانت محافظة الجيزة أعلنت، في 28 أغسطس الماضي، إتمام نقل 48 أسرة من منطقة سن العجوز «غير اﻵمنة» إلى شقق جديدة في «حدائق أكتوبر»، وهو العدد الذي ارتفع إلى 173 أسرة حتى الإثنين الماضي، حسبما قال رئيس صندوق تطوير العشوائيات، خالد صديق، لـ«مدى مصر»، مشيرًا إلى أن هذا المعدل قد يمكنهم من تنفيذ المرحلة اﻷولى من إخلاء «نزلة السمان» قبل الموعد المحدد، بنقل الـ800 أسرة الموجودين في «سن العجوز» خلال أقل من شهرين من بدء الإزالات.

بحسب عدد من أهالي نزلة السمان، كانت الوقفة الاحتجاجية «محدودة للغاية» وفضّها اﻷمن المركزي بسرعة، فيما أوضح المحامي، وهو أحد سكان النزلة أيضًا، أن الستة المقبوض عليهم أنكروا خلال التحقيقات قيامهم بالتظاهر، وأكدوا أن وقفتهم كانت لمعرفة مصير بيوتهم، ولمطالبة المسؤولين بالإجابة عن تساؤلاتهم، بعدما وضع موظفو المحافظة «علامات حمراء» عليها التي قيل إنها تعني أن تلك المنازل ستُزال من المنطقة ضمن خطة تطويرها البادئة الشهر الماضي بإزالة منازل من «سن العجوز»

رغم تصريح محافظ الجيزة في مارس الماضي، أن تطوير «نزلة السمان» سيكون بالتفاهم مع اﻷهالي، تظل أكبر أزمات سكان المنطقة هي غياب المعلومات عن تفاصيل خطة تطوير منطقتهم في إطار تحويل هضبة اﻷهرامات إلى متحف مفتوح، بما يشكله هذا الغموض من قلق للسكان الذين يرتبطون اقتصاديًا بالمنطقة الأثرية، بحسب هيئة التخطيط العمراني، رغم غلبة الاستعمال السكني على مباني المنطقة، بواقع 85% يليه النشاط التجاري المُتمثل في بازارات تشكل 8% من مباني المنطقة، وأخيرًا خدمات بنسبة 7%

«سن العجوز» وصفها «التخطيط العمراني» بـ«منطقة الكشف اﻷثري» بينما يصنفها صندوق تطوير العشوائيات كـ«منطقة غير آمنة» ما جعلها أولى مناطق الإزالة في «نزلة السمان»

سيد عمر*، مُرشد سياحي وأحد سكان «سن العجوز» الذين نُقلوا بالفعل إلى «حدائق أكتوبر»، يقول لـ«مدى مصر» إنه لم يُبلغ مُسبقًا بموعد تنفيذ إزالة منزله، بل عاد من عمله في أحد اﻷيام ليجد المنزل هُدم، ومتعلقاته في الشارع، ما دفعه للاعتراض لفظيًا على الإزالة المفاجئة، وهو الاعتراض الذي أدى للقبض عليه ونقله لمقر اﻷمن الوطني، قبل إخلاء سبيله في اليوم التالي وتحذيره من الاعتراض مجددًا، مع تذكير بأن «هاتفه مُراقب»، حسبما قال.

الانتقال إلى «حدائق أكتوبر» لم يكن محل اعتراض ساكن آخر المنطقة، فـ«الوحدات جميلة، وبها أجهزة كهربائية، وهناك مساحات خضراء وهواء جميل، والمكان نظيف» بحسب مصطفى*، أحد المنتقلين إلى شقة مساحتها 92 مترًا، فيما كان بيته في «سن العجوز» يفوق الـ200 متر حسبما يقول.

ترحيب مماثل يبديه أمين*، المُنتقل من بيت مماثل إلى شقة بالمواصفات ذاتها، يقول «كنت عايش في منطقة عشوائية.. الدولة كانت منعت من سنين طويلة تركيب عدادات كهرباء جديدة أو عدادات مياه، أو تليفونات، وما مدتلناش غاز طبيعي.. أنا مولود في 1983 ومن ساعتها عارف إن النزلة متخطط لها تتزال في يوم ما»

من جانبه، يفسر المهندس المعماري والباحث العمراني عمرو أبو طويلة هذا القبول من سكان المنطقة بقوله إن «الدولة خلقت حرمانًا عمرانيًا مُمنهجًا طوال عقود بحرمان مناطق -منها أماكن كثيرة في نزلة السمان- من الخدمات والتطوير، من قبيل تطوير البنية العمرانية وتوفير وصيانة شبكات المرافق الأساسية، بالإضافة لتعزيز صفة مخالفة السكان للقانون عبر حرمانهم من الحصول على المياه والكهرباء بالطرق القانونية، ما يسبغ صورة عشوائية على المكان، وهو سلوك متكرر في كل المناطق التي ترغب الدولة في إزالتها تقريبًا»

بالنسبة لأبو طويلة فإن ما يميز نزلة السمان بالذات هو «استغلال الدولة لموقعها الملاصق ﻷهم أثر عالمي في خلق رواية تعتمدها قطاعات كبيرة من المجتمع، مُفادها أن سكان المنطقة ليسوا إلا تجار آثار يعيشون في عمران ممتد بشكل غير قانوني، ما يغفل أن الدولة نفسها بنت سابقًا جدارًا ضخمًا فصلت به عمران المنطقة عن اﻷهرامات»

الإزالات غير محددة الموعد لم تحدث مع جميع مَن نُقلوا، إذ تعلم فاطمة*، التي تسكن في سن العجوز، أن نقلها سيتم نهاية سبتمبر الجاري، بل تقول لـ«مدى مصر» إن موظفي المحافظة وفروا لها، اﻷسبوع الماضي، زيارة للوحدة السكنية التي ستنتقل إليها في «حدائق أكتوبر» وتصف المنطقة بأنها «زي الصحراء» فيما تشير إلى مشكلة أخرى «أنا ساكنة في النزلة في بيت كبير واخد العيلة كلها، وبيوت أهلي حواليا، لكن في المنطقة الجديدة هنبقى في وحدات منفصلة.. مش كفاية هابعد عن الحي اللي اتربيت فيه، واللي فيه أهلي وجيراني وشغلي ومدارس ولادي»

يوضح رئيس صندوق تطوير العشوائيات أن سكان كل ثلاث بيوت متقاربة يُنقلوا معًا إلى وحدات متقاربة، ثم تُنظم قرعة لضمان الحصول على الوحدات ذات المميزات -كالموقع مثلًا- دون تدخل من أي طرف. كما يشير إلى أن منطقة حدائق أكتوبر لا تبعد أكثر من 20 دقيقة عن «نزلة السمان» بما لا يُبعد السكان عن منطقتهم اﻷصلية.

ضمن التوصيات الواردة في المخطط العام لتطوير نزلة السمان، أوصت هيئة التخطيط العمراني وبرنامج اﻷمم المتحدة للمستوطنات البشرية، بـ«توفير مناطق سكنية بديلة للسكان المُرحَلين، بحيث تكون أقرب ما يمكن لموقع منطقة نزلة السمان… وتوفير بازارات وخدمات سياحية بالمنطقة حتى يستمر ارتباط السكان بها كونها مصدر الرزق لهم»

يمتلك محسن* عقارًا في نزلة السمان مساحته أكثر من 230 مترًا، وهو يرى أن مستأجري وحدات العقار لن يكون لديهم مانع في الانتقال إلى «حدائق أكتوبر» في مراحل التطوير اللاحقة، بل سيرحبون بالخطوة «لأنهم حاليًا يستأجرون حجرات، لا شقق، وبالتالي فالشقق التي سيحصلون عليها قد تكون أفضل من وضعهم الحالي»

بحسب خالد صديق، يُنقل سكان وحدات نزلة السمان إلى شقق بنظام حق الانتفاع بهدف «أن يكون نظامًا شبيهًا بنظام الإيجار القديم السائد بنسبة كبيرة في المنطقة كلها» موضحًا أن حق الانتفاع يمنح السكان حق الإقامة لجيلين، أي مدى حياة الساكن ثم وريثه.

بالنسبة لمحسن نفسه فالوضع مختلف «البيت ده وارثه عن عائلتي، مبني في 1923.. ممكن أتخلى عنه، بس إيه المقابل؟ لحد دلوقتي محدش عرفني إيه حقوقي بعد هدم البيت اللي في منطقة اﻷسعار فيها عالية ﻷنها بتطّل على اﻷهرامات»

سؤال محسن يكرره علي*، الذي يملك فيلا في «نزلة السمان»، قائلًا إنه أنفق عليها «الملايين» مُتسائلًا «إزاي هيعوضوني عنها بوحدات صغيرة؟» ويوضح علي أنه لا يرفض التطوير، حتى إن كان الثمن هو هدم منزله، لكنه يؤكد أهمية تعويضه بالحصول على القيمة الفعلية للضرر الواقع عليه.

بدوره يشير أمير* إلى غياب المعلومات عن التعويض الذي ستحصل عليه عائلته التي تقيم في «قصر بجنينة» فضلًا عن امتلاكها بازارًا في نزلة السمان.

«مُلاك الوحدات السكنية وضعهم يختلف عن المستأجرين» يقول خالد صديق، موضحًا أن مُلاك الشقق سيحصلون على تعويضات مالية بناءً على التقييم السوقي لها. ومَن يقيم في شقة سيحصل على أخرى «حق انتفاع» وتعويض مالي إضافي، أما مَن يؤجر شقته فسيحصل على مقابل مادي، ويحصل المُستأجر على «شقة حق انتفاع» مضيفًا أن «أصحاب الملكيات الأكبر، كالبيوت الكبيرة متعددة الأدوار، سيحصلون على تعويضات مالية»

بالنسبة للبازارات ستكون هناك خيارات، بحسب صديق «إما التعويض المادي، أو التعويض بمتاجر جديدة في منطقة تجارية سيجري تأسيسها في حدائق أكتوبر، أو تأسيس بازارات جديدة في منطقة نزلة السمان نفسها بعد تطويرها» موضحًا أن تلك الخيارات مؤجلة حاليًا «لأن المنطقة التي نعمل على نقل سكانها وإزالتها حاليًا [سن العجوز] هي منطقة فقيرة للغاية ولا مجال فيها تقريبًا للحديث عن تعويضات عن بازارات ولا عقارات فاخرة»

كلٌ من مُلاك العقارات الثلاثة الذين تحدثوا لـ«مدى مصر» ينتمي لإحدى العائلات الخمس الكبرى في نزلة السمان: الجابري، وفايد، وخطاب، والشاعر، والحلو. وهي العائلات التي يقول الباحث العمراني عمرو أبو طويلة إنها كوّنت الجانب الأكبر من ثرواتها من النموذج الاقتصادي في نزلة السمان، القائم على أنشطة مرتبطة بالسياحة، فضلًا عن تحويل اﻷراضي الزراعية إلى عمرانية.

ويلفت أبو طويلة إلى أن التباين الطبقي في نزلة السمان يخلق صعوبة في مقاومة مشروع النقل «رغم ما يبدو من أن أصحاب الملكيات الكبيرة أكثر تضررًا، لكن من غير المتوقع أن ينخرطوا في احتجاجات، خاصة أن الكثير من أبناء تلك العائلات يشغلون عضوية مجالس نيابية»

شريف الجابري، عضو مجلس الشيوخ عن حزب مستقبل وطن، يقول لـ«مدى مصر» إنه تلقى بعض الشكاوى من سكان «سن العجوز» الذين انتقلوا إلى «حدائق أكتوبر» وتتعلق هذه الشكاوى بعدم وجود مدارس أو خدمات صحية، مضيفًا أنه نقلها إلى محافظ الجيزة «وفي انتظار رده.»

وفيما يصف الجابري نزلة السمان بأن «فيها بؤر عشوائية» لكنها ليست عشوائية بالكامل، وفيها «فيلات بالملايين»، يضيف أن المحافظ أكد له شخصيًا -قبل أسبوع- عدم صدور قرار رسمي حتى الآن بخصوص باقي «نزلة السمان» لافتًا إلى أنه حين سأل المحافظ عن سبب وضع العلامات الحمراء على منازل السكان، في مارس الماضي، كان الرد بأنه «مجرد حصر مطلوب من مجلس الوزراء.»

بحسب الجابري، لكي تأخذ الدولة قرارًا بخصوص هذه المنطقة يجب أن تكون الصورة واضحة بالكامل «لكن القرار هيبقى إيه؟ إحنا مش عارفين.»

من جانبه، يقول رئيس صندوق تطوير العشوائيات، خالد صديق، إن إزالة «سن العجوز» ليست إلا مرحلة أولى في إزالة «نزلة السمان»، بعد نقل سكان المنطقة الأولى «سنبدأ في مرحلة جديدة تمتد لتشمل 1700 أسرة أخرى، ليبلغ مجموع الأسر ضمن المرحلتين 2500، هو نفس عدد الوحدات السكنية التي أتمت هيئة المجتمعات العمرانية بناءها لهذا الغرض في ‘حدائق أكتوبر’ وبعد بناء المزيد من الوحدات سنشرع في نقل المزيد من السكان وصولًا إلى العدد النهائي الذي يبلغ 4800 أسرة.»

في يناير 2019، شهدت «نزلة السمان» حملة إزالة مُصغرة، استهدفت أربعة منازل قالت المحافظة إنها مخالفة، قُبض على إثرها على عدد من السكان الذين اعترضوا على هدم تلك المنازل، فيما قال نائب رئيس الجمعية الأهلية لتنمية وتطوير نزلة السمان، سامح الجابري، لـ «مدى مصر» وقتها، إن ما دعا لذلك الاعتراض هو مخاوف اﻷهالي من اتساع حملة الإزالة لتشمل المنطقة كلها، وذلك مع انتشار أنباء عن إزالة «النزلة» بالكامل ضمن خطة تطوير المنطقة المحيطة بالأهرامات، لافتًا إلى أن اﻷهالي كانوا قد خاطبوا المحافظة ووزارة الإسكان والجهات اﻷمنية على مدار عام، بحثًا عن توضيح حول الإزالات، دون استجابة.

*أسماء مُستعارة بناء على طلب المصادر.

شاهد أيضاً

كيف تضاعفت الضرائب بمصر 5 مرات.. وأين تذهب؟

فند خبراء اقتصاد ومحللون مزاعم الحكومة المصرية بشأن زيادة الحصيلة الضريبية بأنها نتيجة جهود الإصلاح …