الخميس , 2 ديسمبر 2021
الرئيسية / مقالات / كيف تحول شهود «اغتصاب فيرمونت» إلى متهمين ولماذا أغلقت القضية؟

كيف تحول شهود «اغتصاب فيرمونت» إلى متهمين ولماذا أغلقت القضية؟

في الحادي عشر من مايو الماضي، بعد حوالي عشرة أشهر من تداول القضية إلكترونيًا، قررت النيابة العامة «بشكل مؤقت» بأنه لا وجه لإقامة الدعوى الجنائية في واقعة «اغتصاب فتاة في فندق فيرمونت نايل سيتي» في 2014 بالقاهرة، وذلك لعدم كفاية الأدلة.

بحسب الشهادة التي نشرتها صفحة Gang Rapists of Cairo، تعود القضية إلى عام 2014 حين خدر فيها ستة أشخاص على الأقل فتاة باستخدام مخدر GHB واصطحبوها إلى غرفة بفندق فيرمونت وتناوبوا على اغتصابها، وحفروا الحروف الأولى من أسمائهم على جسدها٬ ثم صوروا الواقعة، وتداولها فيما بينهم وبين معارفهم كنوع من التباهي.

في بيانها عن غلق قضية «فيرمونت» مؤقتًا٬ قالت النيابة «تحقيقات النيابة العامة قد استمرت لنحو تسعة أشهر استنفدت فيها كافة الإجراءات سعيًا للوصول إلى حقيقتها، وتوصلت منها إلى أن ملابساتها تخلص في مواقعة المتهمين المجني عليها بغير رضائها بجناح بالفندق حال فقدانها الوعي خلال حفل خاص حضرته عام 2014 لكن الأدلة لم تبلغ حد الكفاية قبل المتهمين لتقديمهم إلى المحاكمة الجنائية عنها»

مع غلق القضية قررت النيابة إخلاء سبيل المتهمين المحبوسين على ذمتها: عمرو حسين٬ وأحمد حلمي طولان، وعمر حافظ، ومن قبلهم خالد حسين٬ مع استمرار حبس أمير زايد، لاتهامه في قضية اغتصاب أخرى وقعت بالساحل الشمالي في 2015، ومتهم فيها معه اثنين هاربين هما شريف الكومي ويوسف قرة. كانت القضية الأخيرة قد أحيلت إلى المحاكمة في أبريل الماضي.

إلى جانب إطلاق سراح المتهمين٬ أخلت النيابة أيضًا سبيل الشهود الثلاثة في القضية، سيف بدور، نازلي مصطفى، وأحمد الجنزوري، بعد حبسهم أربعة أشهر في يناير الماضي. كان حبس هؤلاء في المقام الأول بداية نهاية هذه القضية. يظهر ذلك من واقع تفاصيل حبسهم التي حصلنا عليها من مصادر تعرضت لضغوط خشيت بسببها البوح بأسمائها.

ظهرت واقعة اغتصاب فيرمونت إلى العلن أول مرة في أواخر يوليو من العام الماضي، عبر صفحة شرطة الاعتداءات Assault Police، التي تبنت خلال الشهر نفسه حملة ضد أحمد بسام زكي، الذي يقضي حاليًا عقوبة الحبس 11 سنة، في اتهامات «هتك عرض وتحرش جنسي». طلبت الصفحة شهادات ومعلومات إضافية عن القضية، ثم اضطرت للغلق تمامًا بعد تهديدات قال القائمون عليها إنهم تلقوها، قبل أن تظهر صفحات أخرى داعمة للقضية تحاول نشر ما يعرفونه من معلومات، مثل «مغتصبون»، و«Cat Calls of Cairo» و«Gang Rapists of Cairo»

وأشارت هذه الصفحات إلى أن الحادثة قد لا تكون الوحيدة، وطلبت ممن لديه معلومات أو فيديو الجريمة أن يتقدم به إلى النيابة كدليل إدانة للمغتصبين، وأن يتم التوقف عن تداوله حماية لحقوق الناجية، فيما بدأت في المقابل حملات مضادة على مواقع التواصل الاجتماعي ومواقع صحفية مثل «كايرو 24» و«اليوم السابع» لتشويه الناجية والداعمين لها.

بحسب مصدر ذات صلة بالقضية، بعد قرار النائب العام بالقبض على أحمد بسام زكي، «الناس ابتدت تقول إن بسام زكي حواره ولا حاجة جنب حوار فيرمونت، اللي عارفين عنه من سنين. ابتدوا أصحاب الضحية يسألوها مش هتقدمي؟ مش هتعملي حاجة؟ وشجعوها تقدم بلاغ»

تضيف المصدر أن الضحية تواصلت مع Assault Police ومع بعض النساء ممن تعرضن لعنف جنسي من نفس المغتصبين، لمشاركتها تقديم بلاغات ضد المغتصبين، لكن انتهى الأمر بتقديمها هي بلاغ، ووضع أخريات كشهود في القضية. في أغسطس 2020 ٬ تقدمت المجني عليها بالشكوى للمجلس القومي للمرأة الذي أحالها للنيابة العامة التي أعلنت في الشهر نفسه بدء التحقيق في القضية.

مع بداية نشر صفحتي Assault Police وGang Rapists of Cairo عن القضية في يوليو قبل الماضي، كان عدد الأشخاص المنسوب إليهم الاتهام تسعة أشخاص. أما النيابة العامة فرغم إعلانها أيضًا عن تسعة متهمين إلا أنها قبضت على خمسة فقط، اثنين منهم في مصر: أمير زايد وعمر حافظ، وثلاثة من لبنان عن طريق الإنتربول وهم أحمد طولان، وعمرو حسين، وخالد حسين، وذلك رغم أن الحملات على الصفحات السابقة طالبت بسرعة القبض على المتهمين قبل هروبهم.

ولكن التحول الأكبر في القضية جاء مع القبض على الشهود نهاية أغسطس الماضي، وأمر النيابة بحبس ثلاثة منهم وهم بدور ومصطفى والجنزوري، وإخلاء سبيل ثلاثة آخرين بكفالة 100 ألف جنيه لكل منهم، وإخلاء سبيل آخر بضمان محل إقامته.

القبض على الشهود أربك الجميع. يقول مصدر ثان مقرب من القضية إنه منذ بداية قضية «اغتصاب فيرمونت» وهناك نية لـ «تبويظ القضية»، برزت حين ألقت المباحث القبض على الشهود في وقت واحد، فجر الجمعة 28 أغسطس، من منازلهم، مضيفًا أن القبض على الشهود في الغالب جاء بسبب ضغط أسر المتهمين.

تقول المصدر الأول المقربة من القضية٬ إنه رغم اتصال المباحث بالشهود بعد التحقيق معهم مرة، وتحديد موعد لاستكمال التحقيقات، إلا أن المباحث قررت القبض عليهم قبل موعد التحقيقات المحدد بيوم، من بيوتهم والأماكن الموجودين فيها.

تستطرد المصدر أنه بعد وصول الشهود إلى مديرية الأمن بعد القبض عليهم، كان هناك سيناريو موضوعًا بالفعل. سألوا «انتوا هربانين ليه؟» رغم أنهم لم يكونوا هاربين، ثم اتهموا بـ «ممارسة الشذوذ»، وبعضهم، خاصة بعض الشاهدات، وجدن فيديوهات شخصية حميمية لدى المباحث في انتظارهن، وأخرى لاستغلال جنسي لهن، تم تهديدهن بها.

تقول نفس المصدر إن الشهود خضعوا جميعًا لكشف شرجي في قسم الشرطة. «قلعوا الشاهدات ودخلوا عليهم واحدة من المحتجزات في القسم، الظابط قالها هتفتشيهم من جوة ومن برة، يعني هتحطي صباعك جوة. قلعوهم ورا بارافان، والضباط كانوا أطول من البارافان٬ ووقفوا يتفرجوا عليهم»، وقيل لهم إن هذا إجراء روتيني للمحتجزين الجدد.

تضيف نفس المصدر «اللايف ستايل بتاع الشهود استخدم ضدهم، كدليل على عدم صدق كلامهم. لو ناس بتتعاطى مخدرات أو واحدة (شرموطة) هناخد شهادتهم؟ أكيد لأ»

بحسب مصدر قانوني اطلع على سير تحقيقات النيابة في قضية «فيرمونت»، النيابة كانت تعامل المتهمين والشهود بازدراء شديد، لافتًا إلى أنه على عكس العرف المتبع في أن تقبض النيابة على المتهم بسبب اتهام محدد ويقتصر تحقيقها معه على هذا الاتهام، كانت النيابة تعامل المتهمين والشهود بنفس الطريقة؛ حيث أجرت تحليل مخدرات للجميع وفرغت هواتفهم الشخصية، ثم حٌررت محاضر للجميع بتهم مختلفة تترواح بين «تعاطي المخدرات والشذوذ والدعارة».

من ناحيته٬ يقول محمد السباعي، محامي المتهم زايد في قضيتي «اغتصاب فيرمونت» و«الساحل الشمالي»، ومحامي الشاهدين بالقضية الأولى بدور والجنزوري، إنه طرح أمام النائب العام ثقافة جديدة في الحياة، وأنه من اختصاصاته الحفاظ على قيم الأسرة المصرية. «النائب العام جمع كل من له صلة، وكان بيتأكد من سلامة شهادتهم، وجزء من ده أنه مايكونش متعاطي أو مدمن أو بيمارس هذا الفجر، والتأكد من حالة الرضائية العامة للمجني عليها». بحسب المحامي، الشهود اتهموا باتهامات خاصة بأفعال التحريض على المثلية الجنسية و«الشذوذ»، ولا تقبل شهادة متهمين في جنايات أخرى.

وبحسب المصدرين الأول والثاني المقربين من القضية، قضى الشهود يومين في مديرية الأمن، تحت ضغط وتهديدات لدفعهم لتغيير أقوالهم. تضيف المصدر الأول: «يروحوا مثلًا لشاهد يقولوله الحفلة كانت في شهر أبريل وأنت قلت في فبراير، فيتلخبط فيقول مش عارف. عملوا كدة مع كذا حد فبقى الكلام متناقض. فيه ناس تانية هددوهم يتهموهم بالاغتصاب لو مقالوش اللي هم عايزينه»

يوضح المصدر الثاني ذو الصلة بالقضية تفاصيل الضغوط على الشهود قائلا :«فيه جهات أمنية مختلفة حققت في القضية. وأثناء التحقيقات حدث ضغطًا كبيرًا على الشهود لتغيير أقوالهم، وفي حالة عدم تغيير شهاداتهم، أو الإدلاء بأقوال معينة، تم اتهامهم بتهم أكبر. بعضهم رضخ للتهديد وغير في بعض البيانات والتواريخ، وعشان كدة بيان النيابة كان فيه إشارة لتضارب أقوال الشهود واختلاف تاريخ الواقعة» كان بيان النيابة لغلق القضية مؤقتًا قد وصف بالفعل شهادات الشهود، وعددهم 39 شاهدًا، بالمتناقضة.

الإصرار على أن يكون فيديو جريمة الاغتصاب هو الدليل، رغم وجود أدلة أخرى لم يحقق فيها ضد المتهمين، هو أحد أوجه إفساد القضية٬ في رأي المصادر. بحسب مصدر كانت على صلة بالمتهمين منذ وقت بعيد، فيديو الواقعة لم يقدم بسبب تهديدات قوية للشهود، فيما تصدرت عائلة عمرو وشريف الكومي (الأول كان متداول اسمه بين المتهمين بالاغتصاب في الشهادات المتداولة إلكترونيًا وكان هناك مطالبات بالقبض عليه ولكنه لم يضبط، والثاني متهم في واقعة اغتصاب الساحل) التهديدات. أكدت على ذلك أيضًا المصدر الأول القريبة من القضية.

يلفت المصدر القانوني إلى أن أحد الشهود أكد للنيابة على أن النسخة الكاملة لفيديو الاغتصاب موجودة بحوزة شخص بإحدى دول غرب أوروبا وأرسلها إلى أحد الصحفيين في مصر غير أنه لم يحدده.

قدم الشهود خلال التحقيقات، بحسب المصدر القانوني الأول، صورًا ومقاطع فيديو مدتها لا تتجاوز ثوان مقتطعة من الفيديو الأصلي للواقعة غير أن النيابة لم تعتبرها دليلًا قاطعًا على ارتكاب الواقعة، خصوصًا في ظل تأكيد تحريات الأمن الوطني على اعتياد إقامة حفلات جنس جماعي رضائية في الفندق وعدم وجود دليل على وجود الضحية في مكان الواقعة بغير رضاها. يضيف «الدليل المادي الوحيد في القضية هو فيديو الاغتصاب والأمن الوطني قال مش موجود»

المصدر الثاني، ذو الصلة بالقضية٬ يقول إن تهديد الشهود والمجني عليها من أهالي المتهمين بدأ مع بداية القضية، كما كان هناك ضغط بعروض مالية على الضحية وصلت لـ 50 مليون جنيه، للتنازل. كما يؤكد السباعي أنه كانت هناك محاولات من قبل أسر بعض المتهمين لدفع مبلغ مالي ضخم للمجني عليها لإثناءها عن الإبلاغ، لكنها رفضت.

ولكن السباعي يرى أن النيابة أدت دورها على أكمل وجه، موضحًا أن التحقيقات جرت على مستويين، مستوى النيابة العامة المختصة، ثم المستوى الثاني هو المكتب الفني للنائب العام، الذي أعاد التحقيق مجددًا، باستجواب المجني عليها والشهود، وكان يهم النائب العام التحقق من صعود المجني عليها برضاها أم بالإكراه، والتحقق من تناول المخدر برضاها أم بالإكراه، وكان الرأي النهائي عدم التحقق من الأمرين بشكل يقيني.

قرار النيابة العامة بألا وجه لإقامة الدعوى هو قرار مؤقت، يصبح دائمًا بعد ثلاثة أشهر، في حال عدم تقديم المجني عليها أدلة جديدة. يقول السباعي «أول ما التلات شهور ينتهوا هنقدم طلب للنائب العام عشان القرار يكون دائم»، مضيفًا أنه يظل هناك حقًا للنيابة العامة فتح القضية مجددًا خلال عشر سنوات من حفظها، بحسب قانون الإجراءات الجنائية، لو ظهر جديد.

لم تقرر النيابة بألا وجه لإقامة دعوى قضية «اغتصاب الفيرمونت» فحسب. ولكنها، حسبما قال المصدر الثاني ذو الصلة بالقضية، فتحت قضية جديدة اتهم فيها بعض الشهود بتعاطي المخدرات٬ وعليه تم منعهم من السفر. لا يعلم الشهود/المتهمون شيئًا عن القضية الجديدة بخلاف أنهم تعرضوا لتحليل مخدرات بعد القبض عليهم ولم يطلعوا، أو محاميهم، على نتيجته.

«عدينا مرحلة السيريالية بتاعة أنه كله اتحبس، واتحفظت القضية اللي فيها متهمين عليهم شهود وتسجيلات، عشان مفيش أدلة، واتمنع الشهود من السفر، وتم اتهامهم بدل حمايتهم» يقول المصدر.

تحول شهود قضية «الفيرمونت» لمتهمين بالتوازي مع موافقة مجلس النواب في أغسطس الماضي على تعديل في قانون الإجراءات الجنائية، لإضافة مادة تكفل سرية بيانات المجني عليهم وعدم الكشف عن شخصيتهم في الجرائم التي تتصل بهتك العرض وإفساد الأخلاق والتعرض للغير والتحرش، وذلك لتشجيع الضحايا على الإبلاغ عن الجرائم. أتى ذلك التعديل بعد مطالبات حقوقية وقانونية بحماية المبلغات والشهود، الذين يتعرضون في أحيان كثيرة لأفعال انتقامية من المتهمين.

«النيابة العامة تصرفت بحسب قانون حديث، كان يصعب تطبيقه، لأنه صدر بلا نص يفسره»، يقول السباعي مفسرًا بذلك القبض على الشهود في القضية، كما يضيف أن النيابة ربما تطبق القانون بشكل أفضل مستقبلًا.

هكذا تحولت قضية «اغتصاب فيرمونت» من مثال على قوة الحراك النسوي وضرورة الإبلاغ عن الاعتداءات الجنسية إلى نموذج لعواقب الإبلاغ عن جرائم العنف الجنسي للمجني عليهم والشهود والداعمين للضحايا.

شاهد أيضاً

سفن حربية روسية تشارك في مناورات مشتركة مع مصر

قال المكتب الصحفي لأسطول البحر الأسود الروسي، إن مجموعة من سفن حربية من هذا الأسطول …