الخميس , 18 أغسطس 2022
الرئيسية / مقالات / أزمة سدّ النهضة.. هل تستعيد الجزائر بريقها الدبلوماسي؟

أزمة سدّ النهضة.. هل تستعيد الجزائر بريقها الدبلوماسي؟

 تنشط الدبلوماسية الجزائرية بصورة ملحوظة هذه الأيام حيث حطتّ رحالها في ظرف قياسي عبر عواصم الإقليم، وبين تونس وأديس بابا والخرطوم والقاهرة، تحرّك وزير الخارجية رمطان لعمامرة على أكثر من صعيد بحثًا عن منفذ لفك عقدة أزمة سد النهضة، وعينُه الأخرى على ما يجري في الجارة الشرقيّة.

وبعد غياب طويل عن الساحة الأفريقية والعربيّة، حيث كادت الرؤية أن تنحصر نحو الأعلى باتجاه الضفة الشمالية، يرى مراقبون أن الجزائر تعدّل وجهتها نحو عمقها الإستراتيجي، متكئة على تجربة دبلوماسية لمعت خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، بفضل وهجها الثوري بعد الاستقلال عن فرنسا.

ويسجلّ التاريخ الدولي المعاصر للجزائر كسْبها رهان اعتراف الأمم المتحدة بمنظمة التحرير الفلسطينية، لدى ترؤسها الجمعية العامة للأمم المتحدة سنة 1974، ثم احتضانها إعلان دولة فلسطين في 15 نوفمبر/تشرين الثاني 1988.

كما يقرّ الأميركيون بنجاح الجزائر في تحرير رهائنهم بطهران سنة 1982، ناهيك عن دورها الرئيس في حل النزاع بين العراق وإيران سنة 1975، ثم وساطتها مرة ثانية في حرب الخليج الأولى، والتي فقدت فيها وزيرها للخارجية محمد الصديق بن يحيى في حادث تفجير طائرة بتاريخ 3 مايو/أيار 1982.

ولعب الدبلوماسي الجزائري الأخضر الإبراهيمي، بصفته مساعداً للأمين العام للجامعة العربية، دوراً أساسياً في التوصّل إلى اتفاق الطائف الذي وضع حدّاً لـ 15 سنة من الحرب اللبنانية.

وتكللت جهود الجزائر أيضا بوقف الأعمال القتالية نهائيا بين إثيوبيا وإريتريا، بموجب اتفاقية السلام الموقعة بالجزائر في 12 ديسمبر/كانون الأول 2000، فضلاً عن مشاركتها خلال يوليو/تموز 2001 في صياغة رؤية “النيباد” التي تُعنى بالشراكة الجديدة لتنمية أفريقيا، ثمّ تتويج مبادراتها بالتوصل إلى اتفاق سلام على مرتين، بين السلطة المركزية في باماكو والحركات الأزوادية شمال مالي، عاميْ 1991 و2015.

وتتحرّك الجزائر منذ سنوات على صعيد الأزمة الليبية من أجل لمّ شمل الفرقاء، مثلما تتابع حاليّا الوضع في تونس، عن كثب وعلى أعلى مستوى رسمي، في ظل التطورات السياسيّة الأخيرة.

مهمة جديدة بحوض النيل

ومع بلوغ أزمة سد النهضة نقطة الانسداد، في ظلّ نأي مجلس الأمن الدولي بنفسه عن تبنّيها باعتبارها أزمة إقليمية لا تؤثر على الأمن العالمي، وفشل الاتحاد الأفريقي في إرضاء الأطراف المتنازعة، وإخفاق المبادرة الأميركية، رمت الجزائر مؤخرا بثقلها في حوض النيل.

وأكد الرئيس عبد المجيد تبون أكثر من مرّة أن “مصداقية ونزاهة الدبلوماسية الجزائرية يخوّلانها لأن تلعب دور الوسيط في حل مختلف الأزمات وتسوية النزاعات الشائكة بفضل الوسطية والحياد”.

وترتكز السياسة الخارجية للجزائر تاريخيّا على مبادئ “عدم التدخل في شؤون الآخرين واتباع أسلوب الحوار والتشاور من أجل إيجاد حلول سلمية لحل النزاعات”.

ولم تتسرّب حتى الآن أي تفاصيل بشأن مسعى الجزائر الجديد تجاه دول النيل، حيث صرّح لعمامرة، خلال مؤتمر مع نظيره المصري، أن بلاده “في حاجة للاطلاع على جزئيات الأمور ولا تكتفي بمعرفة سطحية لهذا الملف الحيوي”.

وشدد الوزير الجزائري على أهمية “توصّل الدول الثلاث إلى حلول مرضية، تحقق لكل طرف ما له من حقوق وتحفظ واجبات كل الأطراف، لتسود الشفافية المطلقة في الفائدة من الثروة المائية”.

غير أن صحيفة النصر الحكومية الجزائرية نقلت عن مصدر دبلوماسي مصري أن اقتراح الجزائر “يقوم في الأساس على التوفيق بين مصر والسودان وإثيوبيا، لإقناعهم باللجوء إلى المادة العاشرة من اتفاق المبادئ المبرم في مارس/آذار 2015، من أجل إيجاد وساطة ملزمة، تُنهي حالة الجمود في المفاوضات”.

ثقة الأطراف المتنازعة

ويرى إدريس عطيّة أستاذ العلوم السياسيّة والعلاقات الدوليّة بجامعة الجزائر أنّ بلاده “ترتكز في عملها الدبلوماسي وسياستها الخارجية على مرجعية تاريخية مشرّفة، تؤهلها للعب دور عام بالفضاء الأفريقي والعربي، كونها دبلوماسية المبادئ والثقة والالتزامات”.

وأوضح أنّ ضمانات تحرك الجزائر بأفريقيا والعالم العربي قائمة على طبيعة الفعل الدبلوماسي الجزائري، وعلى ثقل الدولة الجزائرية ورهاناتها الإستراتيجية في إدارة الملفات الدولية، ناهيك عن طبيعة العلاقات فيما بينها وبين الأطراف الدولية والفاعلين المباشرين لهذه الصراعات.

وبخصوص تدخلها في ملف سدّ النهضة، أكد عطيّة -في تصريح للجزيرة نت- أن الجزائر تبني وساطتها بين كل من إثيوبيا من جهة، والسودان ومصر من جهة ثانية، على ثقة الأطراف المتنازعة، خاصة أن أديس أبابا لم تقبل وساطات أخرى عُرضت في وقت سابق، على غرار الوساطة الخليجية أو التونسية.

وأضاف عطية أنّ أديس بابا تقدر جهود الجزائر في هندسة السلم والأمن بالقارة الأفريقية، وتدرك مكانتها وثقلها الأفريقي والدولي، ناهيك عن عمق العلاقات مع الجزائر منذ الستينيات، حيث فصل الإمبراطور هيلا سيلاسي في نزاعها الحدودي مع المغرب خلال حرب الرمال، لتردّ الجزائر الجميل في إدارتها للنزاع الإثيوبي الإريتري سنتي 1999 و2000، على حد تعبيره.

سياسة خارجية دينامية

وتأتي مساعي الجزائر الإقليمية الأخيرة ضمن النفس الجديد للدبلوماسية مع عهدة الرئيس تبون الذي أبدى حرصا شديدا خلال عامه الأول من الحكم على إعادة إحياء صورتها على الساحة الدولية، من خلال تفعيل دبلوماسيتها، ضمن منظور خارجي دينامي واستباقي، بحسب مراقبين.

وتضمنت رؤية تبون، وفق ما تؤكده وثيقة البرنامج الرئاسي، مراجعة الأهداف والمهام الكلاسيكية للدبلوماسية الجزائرية من حيث العلاقات الثنائية والمتعددة الأطراف.

وشدّدت على وضع معالم دبلوماسية اقتصادية هجومية في خدمة التنمية الوطنية والشركات العامة والخاصة والمستثمرين، مع تجسيد دبلوماسية ثقافية ودينية في خدمة الإشعاع الثقافي للجزائر.

وحمل مخطط عمل الحكومة، المصادق عليه في فبراير/شباط 2020، اعتماد سياسة خارجية نشطة وسابقة التأثير، تنتهج دبلوماسية أكثر فعالية في المجال الاقتصادي والثقافي، وتمنح الأولوية للحوار في حل النزاعات، كما تولي عناية خاصة لأفريقيا.

ولذلك أعلن تبون من أديس بابا، في 09 فبراير/شباط 2020، عن إنشاء وكالة للتعاون الدولي لأجل التضامن والتنمية (ALDEC) ذات بُعد أفريقي.

وأوضح تبون أن مهمة الوكالة الرئيسية تعزيز الإعانة والمساعدة والتضامن مع الجوار على أرض الواقع، لا سيما دول الساحل، في رهان واضح على توظيف آليات القوة الناعمة.

شاهد أيضاً

حقوقية مصرية تطالب السلطات بالكشف عن مكان البرلماني المختفي النجار

أكدت الحقوقية المصرية عايدة سيف الدولة، مساء الأربعاء، أن البرلماني السابق والسياسي المعارض المختفي منذ …