الخميس , 2 ديسمبر 2021
الرئيسية / مقالات / مترجم: معركة «الأمر الواقع».. ما مسار أزمة سد النهضة بعد فشل المفاوضات المتكرر؟

مترجم: معركة «الأمر الواقع».. ما مسار أزمة سد النهضة بعد فشل المفاوضات المتكرر؟

نشرت صحيفة «الإندبندنت» البريطانية تقريرًا لأحمد أبو دوح، المحرر الاستشاري لدى الصحيفة والمختص في شؤون الشرق الأوسط، تحدث فيه عن النزاع بشأن سد النهضة الإثيوبي، والذي يبدو أن الخيارات الدبلوماسية لحله بدأت تنفد من بين أيدي دول المصب.

استهل الكاتب تقريره بالقول: كما يسميها كثيرون في مصر والسودان، لا يبدو أن «المفاوضات اللانهائية» مع إثيوبيا على وشك الانتهاء. وفي الوقت الذي يستمر فيه منسوب المياه بالارتفاع ببطء خلف جدران السد الإثيوبي الضخم على النيل الأزرق، يزداد الإحباط بين المسؤولين في عاصمَتي المصب.

ومرَّت الآن عشر سنوات منذ أن بدأت أديس أبابا في تنفيذ مشروع سد النهضة الكبير. فيما بدأت المفاوضات بين الدول الثلاث بعد ذلك بمدةٍ قصيرةٍ، والآن وصلت المحادثات اللانهائية إلى طريق مسدود.

مصالح ومخاوف تحفُّ السد الإثيوبي

ويلفت التقرير إلى أنه منذ ذلك الحين، أصبح أكبر مشروع للطاقة الكهرومائية في أفريقيا مصدرًا للنزاع. إذ تقول إثيوبيا إن السد ضروري لها لتوليد الكهرباء وتحسين معيشة 115 مليون نسمة، يعيش كثير منهم في الظلام. بينما تخشى مصر أن يؤثر السد على حصتها البالغة 55.5 مليارات متر مكعب من مياه النيل الأزرق، وتساور السودان مخاوف بشأن تنظيم تدفق المياه إلى سدوده.

ويمتد السد الذي تبلغ تكلفة إنشائه 4.8 مليارات دولار على طول مجرى النهر وعلى بُعد أميال قليلة من الحدود السودانية. وبمجرد امتلاء خزان السد، ستُنشَأ بحيرة اصطناعية تتكون من 74 مليارَ مترٍ مكعب من المياه، أي أكبر من منطقة لندن الكبرى. والهدف أن يُشغِّل ضغط الماء 16 توربينًا، وتسعى إثيوبيا لتوليد 6 آلاف ميجاوات من الكهرباء عن طريقها.

وبدأت إثيوبيا المرحلة الأولى لملء السد في 2020، فيما أعلنت الحكومة الأسبوع الماضي البدء في المرحلة الثانية، الأمر الذي أغضب القاهرة والخرطوم الراغبتين في التوصل إلى اتفاق ملزم قانونًا بشأن ملء السد وتشغيله أولًا قبل الشروع في الملء الثاني. وقال رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، الذي سعى إلى الفوز بولاية ثانية في الانتخابات العامة في يونيو (حزيران)، إن بلاده ستمضي قدمًا وتملأ السد دون التوقيع على أي اتفاقية.

وكان هناك تداول لكلمات غاضبة حول الطاولة الهلالية لمجلس الأمن الدولي يوم الخميس الماضي؛ حيث حذَّر وزير الخارجية المصري، سامح شكري، بنبرة صوت ساخطة، من أنه إذا تعرَّضت حقوق مصر المائية وبقاؤها للتهديد «فلن يبقى أمامها خيار سوى حماية حقها في الحياة وهو حق تكفله قوانين الدول وعاداتها والضرورات الطبيعية». وأشارت نظيرته السودانية، مريم الصادق المهدي، إلى «قدرة إثيوبيا أحادية الجانب» على تهديد «أمن» المواطنين السودانيين وسلامتهم.

وكان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قد حذَّر في مارس (آذار) الماضي من أنه «لا يمكن لأحد أن يأخذ قطرة واحدة من مصر، ومن يريد أن يجرب ذلك، فليفعل».

تحركات مصر والسودان في مواجهة التعنُّت الإثيوبي

ويشير التقرير إلى أن مصر والسودان قد وقعتا اتفاقًا عسكريًّا في مارس الماضي عقب زيارة قائد الجيش المصري إلى الخرطوم. وفي يونيو، سعى البلَدان إلى ممارسة بعض الضغط على أديس أبابا عندما أجرَتا مناورات عسكرية واسعة النطاق لـ«حرَّاس النيل» بالقرب من حدودها.

ثم قرر البلدان أن يرفَعا النزاع إلى مجلس الأمن في مسعى لإيجاد مخرج من المأزق الحالي. ورأت إثيوبيا في هذا القرار خطوةً لإفشال وساطة الاتحاد الأفريقي المستمرة منذ عام. ويقول المحللون إن التحرك نحو مجلس الأمن يشي بأن البلدين يزدادان يأسًا من التوصُّل إلى حل بشأن السد.

وقال محمد نصر علَّام، وزير الري والموارد المائية السابق الذي يحظى بتأثير في مصر لصحيفة «الإندبندنت»: إن «الاتحاد الأفريقي منظمة خاملة». وأضاف أنها: «لا تستطيع الضغط على إثيوبيا لتقديم تنازلات، وبعد كل هذه الأشهر لم تصدر تقريرًا يشرح أسباب هذا المأزق. ولهذا السبب قررت مصر والسودان اللجوء إلى مجلس الأمن».

وحتى الآن، ثبت أن تحويل الأزمة بشأن سد النهضة إلى نزاع دولي مهمة شاقة. إذ لم يُظهر أعضاء مجلس الأمن يوم الخميس الماضي أي توجه للعب دور مركزي في المفاوضات، وكرروا دعمهم لجهود الاتحاد الأفريقي من أجل التوصل إلى حل. وربما يعود ذلك جزئيًّا إلى أن إثيوبيا واجهت بسرعة قرار دولتي المصب هذا بأمر واقع لا يمكن الرجعة عنه ببدء الملء الثاني للسد قبيل أيام من اجتماع المجلس. حتى أن فاسيلي نيبينزيا، مبعوث روسيا لدى الأمم المتحدة، وجَّه تحذيرًا صريحًا لمصر والسودان من «تصعيد خطاب المواجهة»، مؤكدًا على أن بلاده لا ترى سوى المفاوضات طريقًا لحل الأزمة.

وكانت أديس أبابا عازمة على المضي قدمًا في ملء السد بغض النظر عما سيقوله مجلس الأمن. وقال مارتن بلوت، الزميل في معهد دراسات الكومنولث في لندن، إنه عندما عُقد اجتماع مجلس الأمن يوم الخميس كان يواجه أمرًا واقعًا.

وقالت إثيوبيا إن ملء الخزان أثناء الهطول الغزير للأمطار في يوليو (تمُّوز) وأغسطس (آب) هو جزء لا يتجزأ من بناء السد، ونَفَت أي نية مسبقة للإضرار بمصالح مصر والسودان.

وقال أشوك سوين، أستاذ أبحاث السلم والحرب في جامعة «أوبسالا» في السويد: إن «مجلس الأمن لن يكون قادرًا على فعل الكثير لأنه ليس له تاريخ في التعامل مع النزاعات بشأن المياه. فيما يحول دعم الصين وروسيا لإثيوبيا دون أي احتمال في أن تتخذ الدول الثلاث المشاطئة أي موقف مشترك قريبًا».

ويتذكر السيد علَّام بمرارة تصريحات نيبينزيا التي وصفها بـ«الصادمة» للمسؤولين المصريين الذين كانوا يأملون في الحصول على موقف أكثر دعمًا من موسكو في ظل العلاقات الدافئة بين البلدين.

الولايات المتحدة.. الثِّقل الذي قد يحل النزاع

يقول الكاتب إن المسؤولين في مصر والسودان يعتقدون أن الولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة التي يمكنها المساعدة في التوصل إلى اتفاق نهائي. وفي فبراير (شباط) من العام الماضي، انسحبت إثيوبيا من جولة مفاوضات أُجريت في واشنطن ونظمها مساعدو ترامب. وفي أيامه الأخيرة في البيت الأبيض، أعلن ترامب أن مصر قد «تُفجِّر» السد وهو التصريح الذي أحدث موجةً من الصدمة سَرَت في أنحاء أفريقيا كلها.

وأوضح ويليام دافيسون، كبير المحللين في شؤون إثيوبيا في مجموعة الأزمات الدولية أن «الاتفاقية كانت في متناول الدول الثلاث إلا أنها تعثَّرت في نقطتين شائكتين رئيستين: كمية المياه التي ستكون إثيوبيا على استعداد أن تفرج عنها من السد في فترات الجفاف، ومسألة تسوية الخلافات مع رفض إثيوبيا التحكيم الدولي الذي أصرَّت عليه مصر والسودان».

وعيَّنت إدارة بايدن الدبلوماسي المخضرم والشهير جيفري فيلتمان مبعوثًا خاصًا للقرن الأفريقي. وحتى الآن، تواصِل واشنطن الضغط على حكومة آبي أحمد للانسحاب من المواقع الرئيسة في الحرب الأهلية المستمرة في مقاطعة تيجراي في الشمال الإثيوبي؛ حيث ارتكب الجيش الإثيوبي مدعومًا من القوات الإيريترية مذابح على نطاق واسع ضد المدنيين البالغ عددهم 6 ملايين.

إلا أن إدارة بايدن تبدو مترددة في استخدام ثقلها لممارسة أي ضغط كافٍ على أحد المتنازعين في أزمة سد النهضة.

وذهب علَّام إلى أبعد من ذلك في رفض الحديث عن أي وساطة أمريكية إذ قال مبتسمًا: «أنا لا أعتقد أصلًا أن هناك وساطة أمريكية». إلا أن ابتسامة علَّام الساخرة تخفي شعورًا متزايدًا بعدم الارتياح. وهذا الشعور نابع من الحقيقة القاتمة التي تفيد بأن الطريق المسدود في المفاوضات يعني نفاد الخيارات الدبلوماسية من بين أيدي مصر والسودان.

التصعيد العسكري.. الخيار الذي يخشاه الجميع

وينقل التقرير عن محمد سليمان، الباحث غير المقيم في معهد الشرق الأوسط في واشنطن قوله: إنه «ليس لدى واشنطن إستراتيجية واضحة بشأن النيل، وتكمن أولوية الولايات المتحدة الرئيسة في منع أي تصعيد عسكري بين البلدان الثلاثة الذي من شأنه أن يعرض سكانها البالغ عددهم 250 مليون نسمة للخطر».

وشدَّد محمد سليمان على أن «أي زعزعة إضافية لاستقرار شرق أفريقيا والقرن الأفريقي هي خط أحمر من وجهة نظر واشنطن، لأن ذلك سيرسل في نهاية المطاف موجاتٍ من الصدمة في أنحاء القارة الأفريقية وتؤثر في أمن البحر الأحمر، وهو أمر مرتبط بالأمن القومي للولايات المتحدة في أفريقيا».

والأمن في أفريقيا في حالة يُرثى لها بالفعل. وإلى جانب صراع تيجراي، دخلت القوات المسلحة والمليشيات من إثيوبيا والسودان في حرب شاملة بشأن منطقة الفشقة المتنازع عليها في وقتٍ سابقٍ من هذا العام. وهذا يعني أن آبي أحمد، الذي فاز في الانتخابات العامة بانتصار ساحق وفقًا للنتائج الرسمية التي أُعلنت نهاية الأسبوع، يجلس على برميل من البارود تحفُّه الحرب الأهلية وعدم الاستقرار الاجتماعي والخلافات الحدودية والاقتصاد المنهار بفعل جائحة كوفيد-19.

وفي مواجهة هذا الواقع القاتم، يعلِّق جميع الإثيوبيين آمالهم على سد النهضة بوصفه حلمًا يمكن أن يغير حياتهم، وهي مشاعر قوية يبدو أن السيد أحمد عازم على تأجيجها. ومن خلال تأجيج النزعة القومية وراء سد النهضة، يعتقد أحمد أنه سيكون قادرًا على توحيد شعبه الذي يقف على شفا هوَّة التفكك التام.

وقال السيد دافيسون: «إن الصراع في تيجراي وعدم الاستقرار السياسي بوجهٍ عام يجعل الحكومة تنظر إلى مشروع سد النهضة بوصفه نقطة تجمُّع مفيدة لبلد مقسَّم وتكتنفه التحديات. وهذا الأمر يجعل من غير المرجح أن تُقدِّم إثيوبيا أي تنازلات الآن لم تكن على استعداد أن تقدِّمها سابقًا».

معضلة كبرى وخيارات محدودة أمام مصر والسودان

وعلى الجانب الآخر من طاولة المفاوضات، يواجه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي معضلةً مشابهةً؛ ففي القاهرة والجنوب وفي دلتا النيل، يعتقد الناس هناك اعتقادًا راسخًا بأن حكومتهم ستحمي تدفق المياه التي يعتمدون عليها من أجل البقاء على قيد الحياة.

يقول مارتن بلوت: «إن على مصر والسودان أن تُفعِّلا اتفاقية مارس العسكرية وشن غارة على السد، أو القبول بالحل الإثيوبي الأحادي الجانب لتنظيم مياه النيل الأزرق، ومن الصعب رؤية أي خيار آخر».

وأشار أشوك سوين إلى أنه «في الوقت الحالي، ومع أن الخيار العسكري لا يزال غير مرجَّح، فإنه لا يمكن استبعاده». لكن الشعور المهيمن في اجتماع مجلس الأمن ربما يكون قد دفع مصر والسودان إلى تأجيل الاستعدادات العسكرية إلى وقتٍ لاحقٍ.

ويختم التقرير مع علَّام الذي يقول إن مصر «ليس لديها خيار آخر سوى فرض الأمر الواقع، وإلا فإنها ستخسر النزاع وربما مستقبلها أيضًا».

شاهد أيضاً

كيف تضاعفت الضرائب بمصر 5 مرات.. وأين تذهب؟

فند خبراء اقتصاد ومحللون مزاعم الحكومة المصرية بشأن زيادة الحصيلة الضريبية بأنها نتيجة جهود الإصلاح …