السبت , 29 يناير 2022
الرئيسية / مقالات / لغز «كورونا» في مصر: تنخفض الإصابات فترتفع الوفيات

لغز «كورونا» في مصر: تنخفض الإصابات فترتفع الوفيات

يتكرر الحديث هذه الأيام عن بدء موجة ثانية من وباء «كورونا» في مصر. في بداية نوفمبر الجاري، وخلال اجتماع للجنة العليا لإدارة أزمة الوباء في مصر، أشار رئيس الوزراء، مصطفى مدبولي، إلى أن «عددًا من الدول لجأت إلى تطبيق الإغلاق التام» بعد تصاعد انتشار العدوى فيها. وحذر المواطنين من إهمال إجراءات الوقاية كي لا «نضطر لاتخاذ بعض القرارات الصعبة السابقة» والتي «قد تضر الكثيرين اقتصاديًا».

التحذير من الموجة الثانية يأتي بعدما قضت مصر صيفًا مريحًا على مستوى انتشار العدوى، بحسب الأرقام الرسمية. ذروة الإصابات كانت في يونيو الماضي، حين وصل عدد الإصابات الجديدة في يوم واحد إلى 1774 حالة. بعدها، بدأت الأرقام في بيانات وزارة الصحة اليومية في الانخفاض، حتى وصلت إلى أدنى مستوياتها في أغسطس الماضي، وحافظت تقريبًا على المستوى ذاته طوال الفترة الماضية قبل أن تعاود الارتفاع.

نتيجة لهذا، انخفض الضغط الكبير على المستشفيات، والتي واجهت أزمة كبيرة في استيعاب أعداد المصابين الذين تعقدت أعراض إصابتهم بما يتطلب عزلهم أو تقديم خدمات طبية مختلفة لهم خلال الذروة.

لكن، الملاحظ أنه في فترة تراجع الإصابات، واصلت نسبة الوفيات -بحسب البيانات الرسمية- الارتفاع. تفسير هذا يكمن في استراتيجية الوزارة لتقليص اختبارات PCR للكشف عن الإصابة. بحسب أطباء ومتابعين، تسببت القيود التي فرضتها الوزارة على الاختبارات الرسمية، واستبعاد أي اختبارات تتم خارج معاملها، في غياب إصابات كثيرة عن الحصر الرسمي، وتضخم نسبة الوفيات بشكل كبير.

إجمالًا، تبلغ النسبة الرسمية لوفيات كورونا في مصر 5.79%، بزيادة تتجاوز ضعف المعدل العالمي (2.36%). ومنذ بدء انتشار الوباء وحتى الذروة نهاية يونيو، بلغت نسبة الوفيات 4.32%. ورغم انحسار الإصابات اليومية، وبدلًا من أن تنخفض نسبة الوفيات ارتفعت إلى 8% من أول يوليو وحتى الآن، مقابل معدل عالمي 1.82% للفترة ذاتها.

يستمر هذا الاتجاه مع انحسار معدلات انتشار العدوى في الصيف. خلال الفترة منذ أول أغسطس حتى الآن، يرتفع معدل الوفيات ليتجاوز 9% مقابل معدل عالمي 1.73% للفترة ذاتها، ما يجعل معدل الوفيات في مصر أحد أكبر المعدلات في العالم. (هذه الأرقام تعتمد على بيانات وزارة الصحة وجامعة جون هوبكنز، يمكنكم الاطلاع على قاعدة البيانات كاملة هنا.)

لا يوجد سبب يدفع للاعتقاد بأن زيادة نسبة الوفيات بهذه الدرجة يعود لأسباب طبية. إلى جانب تراجع الضغط على المستشفيات خلال الصيف بما يسمح بتقديم خدمة طبية أفضل، سمحت الحكومة منذ مايو الماضي لمستشفيات القطاع الخاص بتقديم الخدمة الطبية لمصابي كورونا، الأمر الذي يفترض أنه ساهم في تخفيف الضغط. كذلك انخفضت معدلات الوفيات على مستوى العالم لأسباب مختلفة.

لكن، حل لغز ارتفاع معدل الوفيات ربما يكمن في فهم طريقة إدارة الحكومة لسياسات إجراء الاختبارات.

تشير معاهد الصحة الوطنية الأمريكية إلى أن «اختبار كل الناس [….]، سواء من لا أعراض لديهم، أو من أظهروا أعراض عدوى […]، أو من يحتمل تعرضهم للفيروس، سيمنع انتشار كوفيد-19». السبب منطقي: «اختبار إيجابي مبكر في مسار المرض يمكّن الأفراد من عزل أنفسهم، بما يقلص احتمالات نقلهم العدوى لآخرين ويسمح لهم بالحصول على العلاج مبكرًا، الأمر الذي قد يقلل من حدة المرض وخطر الإعاقة على المدى الطويل، أو الموت».

هناك ثلاثة أنواع أساسية من الاختبارات لفيروس كورونا، أكثرها شيوعًا هو اختبار PCR، لكنه لا يتمتع بدقة كاملة، وهي ملاحظة أبداها عدد من الأطباء الذين تحدثوا إلى «مدى مصر». بحسب مقال نشره موقع جامعة «هارفارد»، تتراوح احتمالات الخطأ في النتيجة السلبية للاختبار (False negative) بين 2-37%. في المقابل، تقترب احتمالات الخطأ في النتيجة الإيجابية من صفر. إذا جاء الاختبار إيجابيًا، يعني هذا أن الفيروس موجود فعلًا. مع هذا، وبالمقارنة بباقي أنواع الاختبارات المتوافرة، يظل اختبار PCR أكثرها دقة وكفاءة على الأقل كبداية.

في البداية، بدا أن خطة الوزارة لمواجهة الوباء تسير على ما يرام، وهو ما أشادت به منظمة الصحة العالمية. يشير مصدر دبلوماسي مطلع على تقييمات منظمة الصحة العالمية لمجهودات مكافحة كورونا إلى أن السبب في هذا كان اعتماد مصر في البداية على النظام الذي استخدمته بكفاءة خلال حملة مكافحة انتشار فيروس سي. «نظام التتبع كان على ما يرام عندما كانت مصر تسجل 200-300 حالة يوميًا»، يقول المصدر الذي اشترط عدم الكشف عن هويته.

لكن هذه الإشادات تراجعت مع استمرار انتشار العدوى. اتخذت الوزارة موقفًا محافظًا فيما يتعلق باختبارات PCR. اعتمد الأطباء في مستشفيات الوزارة على أنواع مختلفة من التحاليل والأشعة لتحديد حالة المرضى وتقييم احتمال أن تكون الإصابة بفيروس كورونا. لكن خط التأكيد الأخير -اختبار PCR- خضع لقيود معقدة رغم اعتماد الوزارة عليه بشكل حصري في عدادها اليومي.

باستثناء مناسبات نادرة، لم تعلن وزارة الصحة عن أعداد الاختبارات التي أجرتها. آخر هذه الاستثناءات كان قبل أسابيع، حين أعلنت نانسي الجندي، مديرة إدارة المعامل المركزية بالوزارة، أن المسحات التي تستقبلها المعامل المركزية تصل إلى 3500 مسحة يوميًا. الاستثناء السابق كان في مايو الماضي، حين أعلنت الجندي أن الوزارة تجري 4000 مسحة يوميًا. يعني هذا أن عدد المسحات لم يتغير كثيرًا طوال الشهور الماضية.

بحسب بيانات ترفعها مصر إلى منظمة الصحة العالمية، ونشرتها صحيفة «نيويورك تايمز»، تُجري مصر 953 اختبارًا لكل 100 ألف نسمة، وهو معدل منخفض للغاية بالمقارنة حتى بالدول المجاورة. على سبيل المثال، يبلغ المعدل في الأردن 20 ألف و540 اختبارًا لكل 100 ألف نسمة، وفي العراق 7554، وفي ليبيا 5421.

حدد البروتوكول الرسمي الذي اعتمدته الوزارة طريقة التعامل مع الحالات المشتبه في إصابتها وضوابط إجراء الاختبارات. بحسب البروتوكول، يحصل الطبيب على مسحة PCR من المريض إذا كان لديه أعراض خفيفة أو شديدة أو في حالة استحالة العزل المنزلي. الاختلاف فقط فيما يحدث بعد أخذ المسحة. إذا كانت الأعراض خفيفة، يُنصح المريض بالعزل المنزلي. إذا جاءت النتيجة سلبية، يُكرر الاختبار بعد 48 ساعة. إذا جاءت إيجابية، يُنقل المريض إلى أحد مستشفيات العزل التي خصصتها الوزارة.

لكن الواقع العملي اتخذ منحى آخر بعد تخطى عدد مصابي كورونا في مصر 1000 مريض يوميًا. تحدث «مدى مصر» مع أربعة من الأطباء في عدد من المستشفيات في مختلف محافظات مصر حول طرق إجراء الاختبارات. ورفض جميعهم الكشف عن هوياتهم خوفًا من أي عواقب أمنية أو إدارية.

طبقًا لهم، فإن اختبار PCR يعد، على عكس المتبع حول العالم، استثناءً يقتصر على المرضى الذين يعانون من التهاب رئوي وأعراض فشل تنفسي. «توجيهات وزارة الصحة منذ اليوم الأول لانتشار الفيروس في مصر هي الاقتصاد في عمل مسحات PCR قدر المستطاع»، يقول طبيب بمستشفى حميات العباسية. بديلًا عنها، يعتمد الأطباء على تحاليل وأشعة أخرى يمكنها المساهمة في التشخيص.

يدخل المريض المشتبه في إصابته إلى غرفة الترصد بالمستشفى، وهي عيادة مخصصة لاستقبال المرضى الذين يعانون من أعراض حمى أو سعال أو ضيق في التنفس. يدوّن الطبيب الأعراض التي يشكو منها المريض، ويطلب عمل تحليل صورة دم وأشعة عادية على الصدر له.

إذا أظهرت التحاليل والأشعة مؤشرات تثبت إصابة المريض بكورونا (سواء انخفاض في عدد كرات الدم البيضاء أو إشارات التهاب رئوي في الأشعة)، يوصي الطبيب بإجراء مسحة PCR له.

لكن التوصية تحتاج إلى موافقة أخرى. بناءً على هذه التوصية، يُعرض المريض على طبيب باطنة لتقييم آخر. وبناءً على هذا التقييم، يوافق الطبيب على إجراء المسحة للمريض، أو يطالب إجراء أشعة مقطعية له على الصدر أولًا لتقييم آخر.

في حالة إجرائها، تُرسل المسحة إلى المعامل المركزية لوزارة الصحة، وتُبلغ غرفة الطوارئ والأزمات بمديرية الشؤون الصحية ببيانات الحالة والأشعة والتحاليل المرتبطة بها. هذه الحالات فقط هي ما تصل إلى الغرفة المركزية التابعة لوزارة الصحة وتحتسب في العداد اليومي. أي حالات تكشف عنها تحاليل أو أشعة أخرى لا تدخل الحصر الرسمي.

طوال هذه الفترة، أصرت وزارة الصحة على استبعاد أي اختبارات تُجرى خارج معاملها من حصرها. بحسب أستاذ بكلية الطب بجامعة «عين شمس» ومسؤول سابق في وزارة الصحة، لا تعترف وزارة الصحة بإيجابية أي حالة إلا إذا جاءت النتيجة من المعامل المركزية. «إذا قام مواطن بإجراء مسحة مثلًا في مستشفي عين شمس التخصصي […] وظهرت النتيجة إيجابية، إذا اتصل برقم 105 للحصول على الرعاية الواجبة، فإن متلقي المكالمة يصر على إعادة إجراء المسحة تبع المعامل المركزية»، يقول. وبالتالي لا تتضمن أعداد الإصابة اليومية نتائج الاختبارات التي تقوم بها المستشفيات الجامعية أو مستشفيات القوات المسلحة.

الموقف ذاته ينطبق على القطاع الخاص. في البداية، رفضت الوزارة السماح للقطاع الخاص بإجراء اختبارات كورونا. الاستثناء الوحيد جاء في منتصف يونيو الماضي عن طريق وزارة التعليم العالي، عبر مستشفيات عين شمس الجامعية، حين تعاونت شركة «برايم سبيد ميديكال» لإجراء اختبارات «درايف ثرو».

بحسب أحمد الجعيدي، المدير الفني لشركة «برايم سبيد ميديكال» المالكة لمشروع اختبارات «درايف ثرو»، والذي تحدث إلى «مدى مصر» في يوليو الماضي، لا تمد الشركة وزارة الصحة بأي بيانات حول الاختبارات التي تجريها.

وقتها، أوضحت هالة زايد، وزيرة الصحة، أن هذا لا يعني الترخيص للقطاع الخاص بإجراء الاختبارات، موضحة أن المسحات التي تجريها المستشفيات الخاصة تُرسل إلى المعامل المركزية التابعة للوزارة لإجرائها هناك.

لم يتغير هذا الموقف رسميًا حتى الآن. لكن الواقع العملي انفصل عن الموقف الرسمي منذ شهور. بدأت العديد من المعامل الخاصة في إجراء اختبارات PCR لمن يطلبها بمقابل مادي (يتراوح بين 1500-3000 جنيه). يمكن للمريض الاتصال بمعامل «سبيد لاب» أو معامل «المختبر» لطلب عمل مسحة. يحضر مندوب المعمل إلى المنزل لأخذ المسحة. وتصل النتيجة خلال يوم واحد. ولا يبدو أن أي من المعامل الخاصة التي تجري الاختبارات تمد وزارة الصحة ببياناتها لأنها لا تملك تصريحًا بإجراء هذه التحاليل بشكل منفصل.

يفسر هذا انخفاض أعداد المصابين التي تصل إلى البيانات الرسمية. بحسب مسؤول سابق في قطاع الطب الوقائي بوزارة الصحة، فإن الحالات المسجلة لدى الوزارة لا تمثل سوى خُمس الحالات الموجودة على أحسن تقدير.

كذلك، يفسر هذا ارتفاع نسبة الوفيات، كما أشار عضو في اللجنة العلمية في وزارة التعليم العالي ومصدر يعمل في منظمة دولية تتابع جهود مصر في مكافحة كورونا. شريحة المرضى الذين ساءت حالتهم الصحية وتطورت أعراض مرضهم ترتفع احتمالات الوفاة فيها. وإذا كانت الاختبارات تقتصر بشكل كبير على هذه الشريحة، يصبح ارتفاع نسبة الوفيات منطقيًا.

يظهر هذا عند مقارنة نسبة الوفيات خلال فترة الانتشار الكبيرة (مارس، أبريل، مايو، يونيو) بالمقارنة بفترة الانحسار التي تلتها (يوليو، أغسطس، سبتمبر، أكتوبر).

في المقابل، فإن التوسع في الاختبارات سيعني فقط ارتفاعًا في أعداد المصابين دون ارتفاع مقابل ملحوظ في أعداد الوفيات. حينها، ستنخفض على الأرجح نسبة الوفيات مقارنة بإجمالي أعداد المصابين. يمكن ملاحظة هذا إحصائيًا حتى مع ثبات عدد الاختبارات اليومية في بيانات الشهر الأخير: مع بدء الموجة الثانية وارتفاع أعداد المصابين، انخفضت نسبة الوفيات.

المصدر الدبلوماسي اعتبر أن الأزمة تمثلت منذ البداية في رغبة السلطات الحفاظ على صورة «وضع آمن» لاجتذاب المزيد من الاستثمارات والسياحة. لكن هذه الرغبة تسببت من الناحية المقابلة في ارتفاع هائل لنسب الوفيات. ارتفاع ربما يعصف بأي آمال في «وضع آمن».

شاهد أيضاً

موقع: الإحصائيات والأرقام في عهد السيسي خادعة

ذكر موقع “أوريان21” الفرنسي، أن الإحصائيات الرسمية والأرقام التي تنشرها الحكومة المصرية في عهد عبد …