الإثنين , 10 أغسطس 2020
الرئيسية / مقالات / «الشيوخ».. وميراث تزييف إرادة الشعب

«الشيوخ».. وميراث تزييف إرادة الشعب

منذ أن عرفت مصر طريقها إلى صناديق الاقتراع والتمثيل النيابي قبل مئة عام، عرفت أيضًا «هندسة الاستحقاقات الانتخابية»، فالأنظمة المتعاقبة (ملكية وجمهورية) لم تترك انتخابات تمر دون تدخل، إما بالطريقة الخشنة عن طريق تسويد بطاقات الاقتراع واستخدام أجهزة الأمن في إرهاب الناخبين لإكراهم على التصويت لأحزاب ومرشحي السلطة، أو بالطريقة الناعمة التي تعتمد على توجيه المواطنين والتأثير على اختيارتهم، أو بـ«فلترة» قوائم المرشحين من المنبع ومنع أي مرشح لا ترضى عنه السلطة.

استخدمت الأنظمة التي حكمت مصر الطريقتين (الخشنة والناعمة) وفي كثير من الأوقات جمعت بينهما، لتضمن تأسيس برلمانات مستأنسة لا تملك أنياب رقابية أو أدوات تشريعية حقيقة، ولن تتسبب للحكومة في أي إحراج أمام الرأي العام، لتحولها مع الوقت إلى ذارع برلماني لها، تمرر ما تعرضه عليها من تشريعات وميزانيات واتفاقيات، وتعبث بمواد الدستور عندما يطلب منها ذلك، وتشرعن القمع والتعسف والاستبداد، وفي ذات الوقت تحافظ على الديكور المؤسساتي الذي فرضته مواد الدساتير.

ورث مهندسو الاستحقاقات الانتخابية من أسلافهم «كاتلوج» التزييف والعبث، يطورونه ويضيفون إليه وفق متطلبات كل عصر، فوسائل التلاعب التي كانت تستخدم إبان ما يسمى بالمرحلة «الليبرالية» قبل ثورة 23 يوليو 1952، اختلفت وتطورت لتناسب سياسات المرحلة التي أعقبت الثورة، لكن النتائج والأهداف واحدة وإن تغيرت الطرائق، «انتخابات واستفتاءات نتائجها محسومة سلفًا لصالح الموالاة، ولم يخل الأمر من استثناءات فُرضت فيها إرادة الناس، لكنها لم تكتمل بسبب عدم تحمل السلطة وجود برلمانات تمثل الشعب بشكل حقيقي».

حتى الاستحقاقات النيابية التي جرت بعد صدور دستور 1923، الذي قلص صلاحيات الملك وجعل من الأمة مصدرًا للسلطات، لم تسلم من العبث، وذلك عن طريق استغلال الثغرات التي تضمنتها القوانين لتزييف إرادة الناخبين، من خلال إعادة تقسيم الدوائر الانتخابية وفقًا لرغبة مرشحي الحكومة، للاستفادة من الأوضاع المحلية (عصبيات العائلات ومواقع الملكيات الكبيرة) في ضمان كسب مرشحين بعينهم لأصوات تلك الدوائر، وامتدت عمليات التزوير لتشمل جداول الانتخاب، فقامت الإدارة بوضع جداول ملفقة تتضمن تكرارًا للأسماء، وأسماء أشخاص لا وجود لهم، وأسماء موتى.

«كانت الانتخابات تُجرى وفق هذه الجداول التي لا تعبر عن المواطنين وتفتح الباب على مصراعيه لتزوير إرادة الشعب، هذا فضلًا عن إرهاب الأميين من الناخبين -وهم غالبية في ذلك الوقت- الذين كانوا يصوتون شفاهة، فالويل لمن يعطي صوته لغير مرشحي الحكومة، أضف إلى ذلك ما شاع من رشوة الناخبين وشراء أصواتهم من جانب بعض المرشحين وخاصة في المدن، وما جرت عليه العادة من تخلص الحكومات من العمد والمشايخ المعارضين لها بفصلهم قبل الانتخابات لضمان نجاح مرشحي السلطة»، هذا بعض مما رصده المؤرخ الكبير رؤوف عباس حامد في دراسته «الحركة الوطنية في مصر.. 1918-1952».

وقال عباس في دراسته: «هكذا كانت الممارسات الانتخابية في الحقبة المسماة بالليبرالية، تمسخ جوهر النظام الليبرالي الذي يقوم أصلًا على الإرادة الحرة للناخب في اختيار من ينوب عنه ويمثله في المجلس النيابي؛ فنادرًا ما كانت نتيجة الانتخابات تعبر تعبيرًا صادقًا عن الإرادة الحرة للناخب، وبذلك لم يحقق دستور 1923 حياة ديمقراطية سليمة، ولعل ذلك يفسر عدم استقرار الحياة النيابية في مصر في تلك الحقبة».

وتتبع عباس الهيئات النيابية التي تم تشكيلها منذ إقرار دستور 1923 وحتى ثورة 23 يوليو 1952، ويقول: «منذ برلمان 1924، توالت على مصر عشر هيئات نيابية حتى قيام ثورة 23 يوليو 1952، ولم يكمل برلمان واحد سنواته الخمس على مدى تلك الفترة، فقد حُل برلمان 1924 -الذي انعقد في مارس- في ديسمبر من نفس العام. وعندما أجرت وزارة زيور باشا الانتخابات اجتمع مجلس النواب الجديد يوم 23 مارس 1925، وتم حله في اليوم نفسه. وانعقد البرلمان الثالث في يوليو 1926 لدورات ثلاث، ثم أوقف محمد محمود باشا الحياة النيابية لمدة ثلاث سنوات قابلة للتجديد عام 1928، لكن وزارته سقطت قبل انتهاء المدة، وانتخب برلمان رابع في يناير 1930 ليحل في السنة نفسها وهي الفترة التي شهدت الإطاحة بدستور 1923، وإصدار دستور أكتوبر 1930، ووضع قانون انتخابات جديد ضيق من حق الانتخاب وقصره على شرائح اجتماعية معينة، وفي ظل الانقلاب الدستوري انتخب برلمان خامس استمر أربع دورات تشريعية قطعها عودة دستور 1923 من جديد تحت ضغط الحكومة الوطنية في ديسمبر 1935، وانتخب البرلمان السادس في ظله في مايو 1936، ولم يستمر أكثر من عامين، وقام البرلمان السابع في أبريل 1938، والثامن في مارس 1942، والتاسع في يناير 1945، والعاشر في يناير 1950».

والغريب أن تشكيل البرلمانات العشرة التي شهدتها مصر خلال الحقبة المسماة بـ«الليبرالية» كان يتناقض تناقضًا كبيرًا من مجلس تشريعي لآخر، فنجد الحزب الذي أحرز الأغلبية في مجلس نيابي يحتل مقاعد الأقلية في المجلس الذي يليه، وقد تتحول هذه الأقلية إلى أغلبية ساحقة في برلمان تالٍ ينتخب بعد شهور قليلة، وهلم جر، دون أن يكون هذا التحول انعكاسًا حقيقيًا لتغيير موازين القوى على الساحة السياسة، أو يكون تعبيرًا عن انحسار الشعبية عن حزب سياسي لصالح حزب آخر، أو عن تغيير اتجاهات الرأي العام، بقدر ما كان تعبيرًا عن مكونات «طبخة» الانتخابات.

ووفقًا لدراسة رؤوف عباس، فإن «حزب الأغلبية -الوفد- الذي كان يقود الحركة الوطنية، لم يستطع أن يصل إلى الحكم إلا من خلال انتخابات تجريها وزارات محايدة في ظروف معينة تفرضها مقتضيات الحالة السياسية على كل من القصر والانجليز، ففي الفترة الواقعة بين 1924-1952 حكم القصر مدة تقرب من تسعة عشر عامًا، بينما حكم الوفد أقل من ثماني سنوات، وحكم مؤتلفًا مع الأحرار الدستوريين لمدة عامين، وهو دليل على أن الحياة السياسية في تلك الفترة كان يتم هندستها وفقًا للظروف الخارجية والداخلية، وأن الغالب هو إهدار إرادة الأمة وحل البرلمانات والحكومات التي لم ترض عنها السرايا».

استقرت قواعد نظام ثورة 23 يوليو 1952، بعد طرد الملك فاروق، وتولى الجيش السلطة السياسية، وإعلان الجمهورية، وقُضِي على الطبقة الحاكمة السابقة، وألغيت الأحزاب السياسية وألغي دستور 1923، وأحكم مجلس قيادة الثورة قبضته على السلطة بغير برلمان ولا دستور، وبإعلان دستوري مختصر، حدد الفترة الانتقالية في ثلاث سنوات تنتهي أول سنة 1956.

وبعد شهور من الثورة تصاعدت الضغوط على مجلس قيادتها من خارج الجيش ومن داخل وحداته وأسلحته، ووجد مجموعة الضباط أنفسهم أمام مطالبات بإقامة نظام دستوري وعودة الحياة النيابية والأحزاب وإلغاء الأحكام العرفية، واقتنع الضباط بتلك المطالب، وأعلن مجلس قيادة الثورة في 5 مارس 1954، أنه سيلغي الأحكام العرفية وسيشكل جمعية تأسيسية لإعداد الدستور وسيلغي الرقابة على الصحافة والنشر. ثم في 25 مارس قرر المجلس حل نفسه والسماح بقيام الأحزاب وانتخاب جمعية تأسيسية على أن ينفذ ذلك في 24 يوليو سنة 1954.

اللافت في الأمر، أن العديد من فئات المجتمع اعتبرت أن تنفيذ تلك القرارت وعلى رأسها صياغة نظام حكم على أسس حزبية برلمانية منتخبة، سيعيد رجال وطبقات العهد البائد إلى واجهة الحكم مرة أخرى، فاندلعت موجة من المظاهرات والإضرابات تطالب بعودة مجلس قيادة الثورة.

المؤرخ الكبير عبدالرحمن الرافعي وصف ما جرى قائلًا: «أضرب عمال النقل احتجاجًا على عودة الأحزاب المنحلة، وقررت نقابتهم استمرار مجلس قيادة الثورة في مباشرة سلطاته وعدم الدخول في معارك انتخابية حتى جلاء المستعمر، فتوقفت القطارات ووسائل النقل في البلاد، وبلغ عدد العمال المضربين مليون عامل»، وكان تعداد مصر وقتها كان نحو 24 مليون نسمة.

سارت المظاهرات في الشوارع تهتف بسقوط النظام الحزبي والديمقراطية، وبغض النظر إن كانت تلك المظاهرات مدفوعة ومدبرة أم لا، لكن النتيجة أن مصر استمرت بلا نظام حزبي حقيقي، وبلا مجالس منتخبة تعبر عن إرادة الشعب لنحو سبعة عقود، ومهما قيل عن إنجازات يوليو الاجتماعية والاقتصادية وانحيازاتها للأغلبية المهمشة المسحوقة، أو عن حالة الرخاوة التي أصابت الحياة السياسية قبل الثورة أو الفساد الذي استشرى في مؤسسات الدولة، إلا أن نظام الثورة فوت على مصر فرصة الانتقال إلى نظام حكم تعددي ديمقراطي يسمح بالمنافسة والمشاركة وتداول السلطة، وكرس لنظام حكم الفرد أو المجموعة، وهو ما قادنا إلى الهزيمة المرة في 1967.

اعترف عبدالناصر بعد النكسة بأن غياب الديمقراطية وعدم السماح بوجود صوت آخر كان أحد أهم أسباب الهزيمة، «كيف ننتقل إلى مجتمع مفتوح ويبقى فيه معارضة.. بحيث نتلافى الأخطاء التي حدثت على مدى الـ 6 سنين اللي فاتت، واللي بدأت تتركز أساسًا من سنة 1960؟»، طرح عبدالناصر سؤاله السابق في إحدى اجتماعات مجلس الوزراء عقب نكسة يونيو.

وتساءل عبدالناصر في ذات الاجتماع الذي انعقد في قصر القبة في 6 أغسطس عام 1967، لمناقشة قضية الديمقراطية، وكيف تسبب غيابها بشكل أو بآخر في الوصول إلى محطة النكسة: «طيب ازاي نخلي الناس تتكلم ومتخافش؟ طب النهارده مهما قلت لهم: اتكلموا ومتخافوش الناس مش هتصدقك.. فيه عقد موجودة في المجتمع.. الحقيقة إحنا وصلنا لمرحلة إن ماحدش بيتكلم».

ووجه عبدالناصر حديثه إلى مجلس وزرائه قائلًا: «في هذه الجلسات، إحنا بنقيم مرحلة، وكل واحد يقول تشخيصه وتفكيره بحيث لازم نتلافى مرحلة فاتت.. اللي دفعنا إلى هذا الحقيقة إن احنا هزمنا في الحرب، لو كنا كسبنا الحرب كان النظام بقى كويس جدًا والدنيا عال قوي، وكان زمانا بنعمل احتفالات في البلد.. مش كده؟».

ورغم درس الهزيمة القاسي، لم تتوقف عمليات التزييف والتلاعب بإرادة الناس، ولم يتعلم الخلف شيئًا من درس السلف، حاولوا تزيين الواجهة بإجراء تغييرات ديكورية، لكن المحصلة واحدة: نظام حاكم لا يقبل بالاحتكام إلى صناديق الاقتراع، ولا بالمشاركة أو الاستماع إلى الآخر أيًا كان، ولو تجاوز هذا الآخر وحاول التعبير عن معارضته بطريقة قد تمثل خطرًا على السلطة يغيب وراء السجون.

صنع السادات نوعًا من أنواع التعددية الشكلية تعطي انطباعًا بوجود منابر وأحزاب متنافسة، لكن مع الوقت ثبت أن ديمقراطية الرئيس المؤمن كبير العائلة «لها أنياب أشرس من الديكتاتورية».

أكمل الرئيس الراحل مبارك الطريق الذي بدأه سلفه، تحدث هو ورجاله عن الديمقراطية والتعددية والحوار، وعلى الأرض هندس عشرات الاستحقاقات ما بين تجديد ولايات رئاسية وتمرير تعديلات دستورية وانتخابات برلمانية، استخدمت فيها أجهزته كل الوسائل لتغييب إرادة الشعب، ما ضمن له الاستمرار ثلاثة عقود، ومع الوقت شاخ النظام وتعرضت قواعده وأساساته لشروخ، فسقط مع أول هزة شعبية في يناير 2011.

تخيل البعض أن 25 يناير ستضع الحد الفاصل بين ماضٍ كئيب أُبعد فيه الشعب عن تحديد مقدراته، ومستقبل جديد يضع فيه الشعب قواعد الدولة المدنية الحديثة ويملك فيه ناصيته فيختار حكامه وممثليه، إلا أن الرياح لم تأتِ بما تشتهي السفن، عدنا والعود أسوأ، لا حرية ولا مدنية ولا مشاركة أو تعددية أو تداول السلطة، ولا حتى دولة ذات تأثير في محيطها، بل «شبه دولة» بتعبير الرئيس الحالي، لم يبق من دولة السلف سوى القمع والأنياب وهندسة الانتخابات وتزييف إرادة الناس.

ما يجري في انتخابات مجلس الشيوخ الحالية، هو امتداد لميراث طويل من التزييف وتزوير إرادة الجماهير، فإخلاء الساحة من أي مرشح محتمل واقتصار الأمر على قائمة انتخابية واحدة بلا منافس، وتفصيل دوائر الفردي بما يُصعب المنافسة على أي مرشح مستقل أو معارض، ومنح رئيس الجمهورية الحق في تعيين ثلث المجلس، وتأميم الإعلام والصحافة بما لا يسمح بمناقشة أي برامج مخالفة أو نقد مرشحي قائمة الموالاة، لن يشكل في النهاية إلا مجلس شبه معين موالٍ تماما للسلطة وأقرب إلى صدى لصوتها.

وكما أممت السلطة وأجهزتها الهامش الذي كان مسموحًا به قبل سنوات للحركة وإبداء الرأي في الإعلام والفضاء العام، أممت في الانتخابات الأخيرة أي هامش قد يسمح بوجود عدد ضئيل من المخالفين لها تحت قبة مجلس ديكوري تم استدعائه من مخلفات دولة مبارك، بهدف توسيع دائرة المستفيدين من السلطة وإرضاء أكبر قدر من رجالها، فضلًا عن تجميل المشهد  وتصدير صورة ديمقراطية مزيفة لا تعبر عن مأساة غياب التعددية وافتقار المشاركة السياسية.

الهندسة الحالية لمجلس الشيوخ، هي بروفة لما سيجري من هندسة لمجلس النواب الذي ستجري انتخاباته بعد شهور قليلة، فالمهندس الذي أوكلت له السلطة إدارة العمليات الانتخابية، يعمل من الآن لتأسيس مجلس موالٍ بلا أي ضجيج يزعج النظام ورجاله، وإذا كانت بوابة انتخابات 2014 قد عبر من خلالها نواب عبروا عن آرائهم في قضايا مثل «تيران وصنافير» و«التعديلات الدستورية»، فموعد محاسبة هؤلاء بأثر رجعي قد حان.

لن تتمكن مصر في مواجهة التهديدات الداخلية والخارجية التي تحاول زعزعة استقرارها وتهديد أمنها القومي، بمزيد من الحصار والقمع وتزييف إرادة الناس، ولا سبيل للخروج مما نحن فيه سوى بحرق «كاتلوج» الاستبداد في مكب النفايات السياسية، وفتح صفحة جديدة تحترم فيها السلطة الدستور والقانون والحريات العامة وتقبل بمبدأ تداول السلطة، وترفع يد الأجهزة الأمنية عن السياسة والأحزاب والنقابات والإعلام، وتعلن إنهاء حالة الإقصاء والهيمنة والاحتكار. دون ذلك سيظل الأمن القومي المصري مهددًا، وستبقى مصر «شبه دولة».

شاهد أيضاً

سد النهضة.. إثيوبيا: لن نوقع أي اتفاق يحرمنا من مشاريع مستقبلية ومصر تلجأ للاتحاد الأفريقي

أكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإثيوبية دينا مفتي أن بلاده لن توقع اتفاقيات مع دول …