الخميس , 2 ديسمبر 2021
الرئيسية / مقالات / مصر: تفشٍ محتمل لفيروس “كورونا” في السجون

مصر: تفشٍ محتمل لفيروس “كورونا” في السجون

قالت “هيومن رايتس ووتش” اليوم إنّ سجونا وأقسام شرطة عديدة في مصر شهدت تفشيا محتملا لفيروس “كورونا” في الأسابيع الأخيرة، وسط تعتيم رسمي وصارم.

تشير روايات شهود لـ هيومن رايتس ووتش، ورسائل مسرّبة من سجنَين، وتقارير موثوقة لمجموعات حقوقية ووسائل إعلامية محلية إلى أنّ 14 سجينا ومحتجزا على الأقلّ لقوا حتفهم، على الأرجح بسبب مضاعفات ناجمة عن الإصابة بالفيروس في عشرة مراكز احتجاز حتى 15 يوليو/تموز 2020. على الرغم من أنّ عشرات السجناء والمحتجزين – على الأقل – ظهرت عليهم، أعراض خفيفة إلى شديدة لمرض “كوفيد-19” الناتج عن الفيروس، كانت الرعاية الطبية في السجون غير كافية، مع غياب شبه كامل للفحص المخبري للفيروس والمسح الطبي للكشف عن الأعراض. أفرجت السلطات عن 13 ألف سجين منذ أواخر فبراير/شباط، لكنّ العدد غير كافٍ للحدّ من الاكتظاظ في السجون ومراكز الاحتجاز المكتظة.

قال جو ستورك، نائب مدير قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش: “ينبغي للسلطات المصرية أن تتّخذ خطوات فورية لتأمين الرعاية الطبية الملائمة للمحتجزين، والتدابير لاحتواء تفشي فيروس كورونا. من الضروريّ أن تعالج مصر انتشار الفيروس عبر الإسراع في الإفراج عن السجناء”.

تحدثت هيومن رايتس ووتش مع خمسة سجناء في ثلاثة سجون، وعشرة من أقرباء وأصدقاء ومعارف 11 سجينا آخرين في ستة سجون أخرى وفي قسم  للشرطة. راجعت هيومن رايتس ووتش أيضا عشرات البيانات الرسمية، والتقارير الإعلامية والحقوقية، ووثائق التوجيهات من وزارة الصحة المصرية و”منظمة الصحة العالمية” حول فيروس كورونا. لم تُجب أي من وزارة الداخلية، و”الهيئة العامة للاستعلامات”، والسفارة المصرية في واشنطن على أسئلة هيومن رايتس ووتش المُرسلة في 3 و15 يوليو/تموز.

توضح روايات الشهود والتقارير أنّ الاكتظاظ جعل التباعد الاجتماعي مستحيلا. يبدو أنّ سلطات السجن لم تتّخذ أي تدابير لتتبّع المخالطين، ولم تفعل شيئا يذكر لعزل السجناء الذين تظهر عليهم أعراض. في بعض الحالات، خصصت السلطات زنزانة أو أكثر في السجن نفسه للسجين أو السجناء الذين تظهر عليهم أعراض الإصابة بالفيروس. كما يبدو أنّ سلطات السجون لم تتّخذ أي تدابير خاصّة لحماية المجموعات المعرّضة لخطر أكبر مثل السجناء الكبار في السن والأشخاص الذين لديهم حالات مرضية سابقة. لم يسمح الضباط في ثلاثة سجون على الأقلّ للسجناء بالحصول على الكمامات أو وضعها، بحسب الشهود.

قال جميع الأشخاص الذين أُجريت معهم مقابلات إنّهم يعتمدون بالأساس على الأدوية والمعقّمات التي تدخلها عائلاتهم عندما يسمح لها مديرو السجن بذلك. قال أحد أقارب سجين في سجن القناطر للرجال إنّ طبيبا كان يجري فحوصات طبية منتظمة للسجناء ويعزل الحالات المشتبه فيها، وكانت هذه الرواية الوحيدة عن مثل هذه المعاملة بين الأشخاص الذين تمّت مقابلتهم.

أفادت “كوميتي فور جستس”، وهي منظمة حقوقية مقرّها جنيف، بأنّها وثّقت أكثر من 190 إصابة مشتبه بها بفيروس كورونا في 12 سجنا و29 مركز شرطة، بما في ذلك أكثر من 160 سجينا و30 موظفا وعنصر أمن في وزارة الداخلية. يشمل هؤلاء 14 حالة وفاة مشتبه بها بين السجناء في خمسة مراكز شرطة وخمسة سجون في أربع محافظات.

قال السجناء والأقارب الذين تمّت مقابلتهم إنّ الرعاية الطبية الملائمة كانت مفقودة في مرافق الاحتجاز، وخاصة غياب نظام فعّال للإخلاء أو التدخّل الطبي في حالات الطوارئ. من بين 14 وفاة، نُقل فقط تسعة سجناء إلى المستشفى، وبعضهم قبل ساعات قليلة فقط من وفاتهم. قال قريب أحد السجناء: “يتطلّب هذا المرض رعاية وراحة، ويستحيل الحصول على ذلك في المستنقع الذي كان فيه”.

فرضت السلطات تعتيما شاملا على المعلومات في مراكز الاحتجاز، ومنعت وزارة الداخلية جميع الزيارات إلى السجن، بما فيها زيارات المحامين، منذ 10 مارس/آذار. “المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام”، وهو هيئة حكومية تفرض الرقابة والإشراف على الإعلام، حذّر مرارا من اتخاذ “إجراء قانوني” بحقّ أي مؤسسة إعلامية أو صحفيين يكتبون تقارير عن فيروس كورونا في مصر بما يتناقض مع التصريحات الرسمية.

قال الأشخاص الذين تمّت مقابلتهم إنّ السجناء يخشون العقاب الجماعي في حال تسريب أخبار من سجنهم.  أفاد أشخاص تمّت مقابلتهم لإعداد هذا التقرير وفي وقت سابق بأنّ عناصر “قطاع الأمن الوطني” في السجون يستدعون السجناء بانتظام ويستجوبونهم لدى نشر أيّ أخبار عن سجونهم. قد تشمل العقوبات النقل إلى سجون بعيدة أو مصادرة متعلقات السجناء، ومنها منتجات النظافة الشخصية الضرورية والملابس. في أحد السجون، قال السجناء إنّهم تعرّضوا للضرب والاعتداء الجسدي لدى الشكوى من ظروفهم.

قال فرد من عائلة سجين في أحد السجون الرئيسية في القاهرة، والذي يضمّ مئات السجناء، إنّ السجين ظهرت عليه أعراض كوفيد-19، بما في ذلك السعال، وأوجاع الجسم، وفقدان الشمّ والذوق، والحمّى، وإنّ ستة من السجناء في زنزانته تقريبا ظهرت عليهم أعراض مشابهة في أواخر مايو/أيار وبدايات يونيو/حزيران. قال المتحدث  إنّ العائلات تمكّنت من تأمين الأدوية والطعام بشكل شبه منتظم، لكنّ مديري السجن لم يوفروا سوى القليل من هذه المستلزمات. قال السجين لعائلته أنّ جميع عنابر السجن تضمّ سجناء لديهم أعراض كوفيد-19، لكنّ الفحص المخبري PCR غير متوفّر.

عيّنت إدارة ذلك السجن زنزانة أو زنزانتين للسجناء الذين اختاروا الانعزال بعد ظهور أعراض الإصابة بالفيروس عليهم، لكنّها لم تفرض عليهم ذلك. قال المتحدث إنّ عناصر السجن أخبروا السجناء بأنّهم سينقلون المرضى منهم إلى مستشفى إذا ارتفعت حرارتهم أو وجدوا صعوبة شديدة في التنفّس طوال خمسة أيام.

قال سجين في السجن نفسه إنّ العائلات أمّنت بعض اسطوانات الأوكسيجين ومقياسات تأكسج النبض، التي تقيس مستويات الأوكسيجين، في الدم للعيادة الصغيرة في السجن. أضاف أنّ أطبّاء السجن توقّفوا عن زيارته بعد سماح الضباط للسجناء الأطبّاء بتولّي مسؤولية رعاية زملائهم المرضى. قالت هيومن رايتس ووتش إنّ هذه التدابير لا تراعي المعايير الدولية لمعاملة السجناء.

قال سجين في سجن تحقيق طرّة، وهو جزء من مجمّع سجون طرّة في القاهرة، إنّ تدابير الحماية التي اتُخذت هناك كانت “جميعها شكلية”. في مارس/آذار، عندما بدأ عدد حالات الإصابة بفيروس كورونا في مصر بالارتفاع، أمّنت إدارة السجن فحوصات تفاعل سلسلة البوليميراز أو PCR لسجينَين فقط، لكنّها لم تؤمّن أي فحوصات إضافية على الرغم من إصابة عدد من السجناء بأمراض تنفسية، على حدّ قوله. أضاف أنّ الضبّاط، والعساكر، وموظفي السجن لم يرتدوا الكمامات أو يتّخذوا أي تدابير.

قالت هيومن رايتس ووتش إنّ على السلطات المصرية أن تجري فحوصات واسعة النطاق للسجناء، وتسرع في الإفراج عنهم، وتجعل المعلومات المتعلّقة بتفشي فيروس كورونا في السجون علنية، وتسمح للسجناء بتواصل منتظم مع محاميهم وعائلاتهم. ينبغي أن تنشئ الحكومة قاعدة بيانات عامّة على الإنترنت حول السجون في مصر، تشمل معلومات محدّثة عن قدرة استيعابها ومعدّل إشغالها.

قال ستورك: “بدلا من تأمين الرعاية الطبية الملائمة والتدابير الصحية اللازمة لمنع تفشي فيروس كورونا، تحاول الحكومة المصرية التعتيم على أزمة صحية خطيرة في السجون. يستحقّ السجناء، وعائلاتهم، والشعب المصري معرفة المخاطر الصحية التي يواجهونها وما تفعله الحكومة للتعامل مع هذه المخاطر”.

بين حقّ السجناء في العلاج والواقع

ينصّ القانون الدولي لحقوق الإنسان، بما في ذلك “قواعد الأمم المتحدة النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء” (“قواعد مانديلا”)، على وجوب تمتع السجناء بالمعايير نفسها المتوفّرة في المجتمع للرعاية الصحية؛ وأنّ السجون يجب أن تؤمّن وصولا سريعا إلى الرعاية الطبية في الحالات الطارئة؛ وأنّه لا يجوز إلاّ لأخصائيّي الرعاية الصحية المسؤولين اتخاذ قـرارات طبية، ولا يجوز لموظفي السجون غير الطبيين إلغاء تلك القرارات أو تجاهلها؛ وأنّه يُتاح للطبيب الوصول اليومي إلى أي سجين مريض أو يشكو من مشاكل صحية.

في مايو/أيار، أصدرت منظمة الصحة العالمية بيانا مشتركا مع “مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان” وغيرها من وكالات الأمم المتحدة تقول فيه إنّ “الاستجابة الصحية لـ كوفيد-19 داخل أماكن الاحتجاز غير كافية”. دعا البيان الحكومات إلى النظر في آليات للإفراج عن المحتجزين والحدّ من حرمانهم من الحرية.

تنصّ قوانين السجن المصرية على بعض حقوق الرعاية الصحية. يذكر القرار 79 لوزارة الداخلية للعام 1961 (اللائحة الداخلية للسجون) أنّ إحدى مهام أطبّاء السجون هي حماية السجناء من “الأمراض الوبائية”، بما يشمل الحجر الطبي. يلزم قانون السجون للعام 1956 سلطات السجن بأن تعلم عائلة السجين فورا في حال إصابته بمرض خطير.

في الواقع، قلّما تحترم السلطات القوانين المحلية والدولية. لا يُسمح للمجموعات المستقلّة بالوصول إلى السجون المصرية، وتفتقد هذه الأخيرة منذ عقود لرقابة قضائية أو مستقلّة جادة. السجون مكتظة ومخالفة لقواعد النظافة الشخصية. منذ تولّي الرئيس عبد الفتاح السيسي الحكم فعليا في العام 2013، مات العشرات، إن لم يكن المئات على الأرجح، من السجناء في الاحتجاز، وجاءت وفاة الكثيرين منهم بعد تعذيب و/أو نقص الرعاية الطبية. لم يتمّ التحقيق في أي من حالات الوفاة هذه تقريبا بشكل مجدٍ. قال خبيران من “الأمم المتحدة” في نوفمبر/تشرين الثاني 2019، قبل وباء كوفيد-19، إنّ ظروف الاحتجاز الجائرة “قد تعرّض صحة وحياة آلاف السجناء الإضافيين للخطر الشديد”.

ردّا على الانتقادات حول الأوضاع في مراكز الاحتجاز خلال الوباء، أصدرت وزارة الداخلية بيانات فيديو عديدة تدّعي فيها أنّها أجرت “فحوصات طبية شاملة” لـ كوفيد-19 بين السجناء. يظهر أحد الفيديوهات في 16 أبريل/نيسان موظفي القطاع الصحي يأخذون مسحات من بعض السجناء السياسيين المعروفين، وتزعم التصريحات في الفيديو أنّ مراكز الاحتجاز والسجون “تُعقّم” بانتظام. تظهر الفيديوهات رشّ المساحات الخارجية في بعض السجون بمواد تعقيم، وهي عملية لا توصي بها منظمة الصحة العالمية. كذلك تظهر الفيديوهات ما تصفه بـ “بوابات آلية للتعقيم”، ترشّ الناس الذين يمرّون عبرها عند مداخل أماكن الاحتجاز. بحسب منظمة الصحة العالمية، لا يقلّص ذلك من إمكانية نقل الشخص للفيروس، وقد يكون مضرّا و”لا يوصى به في أي ظرف”.

الأطبّاء في السجون المصرية ليسوا مستقلّين مؤسسيا، فهم إما موظفون في وزارة الصحة أو أطبّاء في وزارة الداخلية مدرّبون في أكاديمية الشرطة ليصبحوا ضباط أطباء. في كلتا الحالتين لا تمنح القوانين المصرية استقلالية إكلينيكية كافية لأطبّاء السجون، لأنّ القانون يستوجب منهم الحصول على موافقة الضباط في قرارات عديدة.

نادرا ما تسمح سلطات السجون للعائلات أو المحامين بالحصول على تقارير طبية، يبدو أنّ القرارات المهمة، مثل تلك المتعلّقة بتأمين الحصول على الرعاية الطبية داخل أو خارج السجن، هي في يَد ضابط الأمن الوطني في كلّ سجن بشكل رئيسي، وهو بحكم الأمر الواقع صاحب سلطة تتجاوز سلطة مأمور السجن والضباط الآخرين، ولا تعود القرارات إلى أطبّاء السجن. أغلبية السجون في مصر لا تملك مرفقا طبيا مجهّزا بشكل كافٍ.

المنهجية

على ضوء الظروف المذكورة أعلاه، يصعب تقييم الأمراض الطبية للسجناء بشكل قطعي، بما في ذلك احتمال إصابتهم بفيروس كورونا.

حدّدت منظمة الصحة العالمية أساليب لمعرفة ما إذا كان شخص “مشتبه” في إصابته بـ كوفيد-19 عند غياب الفحوصات المخبريةPCR ، بما في ذلك إصابته بأعراض مرض تنفسي حادّ وخيم من دون وجود تشخيص بديل. قالت المنظمة أيضا إنّه بإمكان الحكومات تبنّي تعريفات مختلفة لحالات كوفيد-19 المشتبه فيها والمحتملة بحسب السياق. راجعت هيومن رايتس ووتش بيانات وزارة الصحة حيث عدّلت تعريفها للحالات المشتبه فيها والمحتملة منذ مارس/آذار مرّات عدّة، مع تزايد تفشي فيروس كورونا.

استعملت هيومن رايتس ووتش دليلا حديثا أصدرته الوزارة في 24 يونيو/حزيران وقالت فيه إنّ الإصابات المشتبه بها بالفيروس تشمل الأشخاص الذين لديهم حمى، أو أعراض تنفسية حادة، أو فقدان فجائي في حاسّتي الشمّ والتذوّق، في غياب أسباب ظاهرة أخرى. ذكر البيان أنّ الحالات المحتملة تشمل الحالات المشتبه بها التي تظهر صور الأشعة المقطعية للصدر أو صور الأشعة السينية خصائص مرضية معينة، أو أولئك الذين خالطوا أشخاصا آخرين يحتمل إصابتهم بالفيروس أو توفوا بعد أن ظهرت عليهم أعراض تنفسية حادّة ولم يتم تشخيص حالتهم.

استنادا إلى مقابلات مع سبعة أطبّاء، يبدو أن الفحوصات في مصر بشكل عام محدودة للغاية، بما فيها الفحوصات لعامة الجمهور، وأوصت وزارة الصحة الطواقم الطبية أن تعالج وتقبل المرضى بناء على أعراضهم، وصور الأشعة المقطعية أو العادية، وعدد خلايا الدم. لم تفصح الحكومة سوى عن معلومات محدودة عن عدد الفحوصات التي أجرتها منذ فبراير/شباط، عند اكتشاف أوّل حالة إصابة بفيروس كورونا في البلاد. لكنّ صحيفة “الشروق” الخاصة نقلت عن مسؤول في وزارة الصحة قوله إنّ الحكومة رفعت عدد فحوصات الـ PCR إلى 4 آلاف في اليوم. قال مسؤول آخر في مقابلة تلفزيونية إنّ الحكومة أجرت حوالي 200 ألف فحص بحلول 27 مايو/أيار.

وفيات يشتبه بأن سببها فيروس كورونا

شاركت كوميتي فور جستس مع هيومن رايتس ووتش أسماء 14 سجينا ماتوا جرّاء ما يشتبه بأنه إصابتهم بفيروس كورونا في خمسة أقسام للشرطة وخمسة سجون في محافظات القاهرة، والشرقية، والدقهلية، والغربية حتى 15 يوليو/تموز. توفّي اثنان في مايو/أيار والباقون في يونيو/حزيران وواحد في يوليو/تموز. أجرت هيومن رايتس ووتش مقابلة مع شخصين من معارف ثلاثة من هؤلاء السجناء. يبدو أنّ السلطات لم تجرِ تحقيقات مستقلّة في حالات الوفاة هذه.

من بين السجناء الـ14، توفّي تسعة في المستشفى بعد نقلهم من الاحتجاز. نُقل ثلاثة منهم قبل بضع ساعات من وفاتهم، على ما يبدو عندما ساءت حالتهم لدرجة أنّ التدخل الطبي لم يكُن ليجدي نفعا. كان ثمانية من بين السجناء الـ14 فوق سنّ الـ50.

وفاة في معسكر الأمن المركزي

توفي حمدي عبد العال ريان) 58 عاما( في 21 يونيو/حزيران بسجن داخل “معسكر قوات الأمن المركزي” في مدينة العاشر من رمضان بمحافظة الشرقية، بعد احتجازه دون محاكمة 15 شهرا. قال أحد أقاربه إن السلطات لم تنقله إلى مستشفى إلا عندما كان يموت رغم أن حالته كانت حرجة لعدة أيام، وإن شهادة الوفاة ذكرت سبب الوفاة على أنه “قيد البحث”. تستخدم وزارة الداخلية عادة السجون داخل معسكرات الأمن المركزي، وكثير منها غير رسمي وبالتالي هي مواقع احتجاز غير قانونية، وذلك على ما يبدو لأن السجون مكتظة جدا.

عندما اعتُقل ريان لم يكن قادرا على المشي بسهولة بسبب كسور مركّبة في الفخذين نتيجة لإطلاق النار عليه من قوات الأمن عام 2013. كان ريان أيضا يتبع نظاما دوائيا مضادا للتجلط لمنع تكرار الجلطات الدموية، التي أصابته مرة في ساقه اليمنى، وبالتالي كان أيضا عرضة لنزيف أسهل وأطول من المعتاد. قال أحد معارف ريان إنه من المرجح أنه كان هناك أكثر من 20 سجينا في زنزانته.

كان ينبغي للسلطات أن تنظر في الإفراج عنه لأسباب طبية، خاصة وأنه احتُجز بدون محاكمة لأكثر من 15 شهرا. أصيب ريان بالحمى لبضعة أيام وأظهر أعراضا أخرى للإصابة بفيروس كورونا قبل وفاته بفترة وجيزة.

قال قريبه إن السلطات لم تقدم أي رعاية طبية تقريبا لريان داخل السجن ورفضت تسليم الأدوية حتى يونيو/حزيران، عندما، بحسب اعتقاد قريبه، ظهرت أعراض الإصابة بفيروس كورونا على المزيد من السجناء.

أبلِغ عن وفاة ريان أيضا من قبل “مركز الشهاب لحقوق الإنسان“، وهي مجموعة حقوقية أسسها محامون مقربون من “الإخوان المسلمين”.

سجن جمصة شديد الحراسة

قالت كوميتي فور جستس إن سعيد غباشي (58 عاما) توفي في 28 يونيو/حزيران في سجن جمصة شديد الحراسة، حيث ظهرت عليه أعراض الإصابة بفيروس كورونا على ما يبدو وعُزل داخل السجن أسبوعين دون رعاية طبية كافية. قالت إحدى  أقارب نزيل آخر في السجن إن الأسر تخشى على أقاربها المسجونين بسبب قلة الزيارات والتواصل. قالت إن إدارة السجن لم تسمح للعائلات بتسليم المطهرات أو الكمامات.  وقالت أيضا إنه يُسمح فقط بكمية محدودة من الأدوية، كما أنه في بعض الأحيان لا يُسمح بالمكملات الغذائية مثل فيتامين سي. قالت إن السجناء المفرج عنهم مؤخرا أخبروها أنه في مارس/آذار، جاءت مجموعة من أطباء وزارة الصحة لفحص السجناء وعزلوا حوالي تسعة منهم، لكنها لم تبلغهم بما إذا كانوا مصابين بفيروس كورونا.

الاشتباه بوفاة ثلاثة أشخاص بسبب فيروس كورونا في قسم شرطة المحلة

وثّقت كوميتي فور جستس ثلاث وفيات في قسم شرطة أول المحلة الكبرى بمحافظة الغربية. كما أبلغ مركز الشهاب وعديد من المواقع الإخبارية عن الوفيات. توفي السجناء حسن زيادة ومعوض محمد سليمان في 7 و11 يونيو/حزيران، وزياد حسن شلتوت في 24 يونيو/حزيران. حبس السجناء الثلاثة احتياطيا لأسباب سياسية بتهم تتعلق بتورط مزعوم في احتجاجات مناهضة للحكومة وجماعات محظورة. توفي الثلاثة في مستشفى المحلة الحكومي، ويبدو أن شلتوت وسليمان نُقلا قبل وفاتهما بيوم أو أقل. قال ضابط شرطة بحسب باحث في كوميتي فور جستس: “لا أريد أن يموت أي سجين في قسم الشرطة”.

قال أحد أقارب سليمان )65 عاما(، الذي كان مدرس رياضيات متقاعد يعيش خارج مصر، إن الضباط أبلغوا الأسرة أنه مات بسبب نوبة قلبية. في وقت لاحق علمت الأسرة أنه أظهر عوارض كوفيد-19. قال القريب إن السلطات لم تقدم رعاية طبية كافية: “عندما بدأوا يفكرون في أنه يجب نقله إلى المستشفى، كان يموت بالفعل. كان وضعه صعبا للغاية لمدة أربعة أو خمسة أيام قبل وفاته.”

قال قريب سليمان إن السلطات اعتقلت الأخير في أواخر أبريل/نيسان واحتجزته بمعزل عن العالم الخارجي لمدة أسبوعين أو ثلاثة أسابيع قبل أن تتمكن عائلته من تحديد مكانه في المحلة. علمت الأسرة أن السلطات عرضته في مايو/أيار أمام نيابة أمن الدولة العليا في القاهرة بدون محامين، ولم تقدم السلطات تقارير الطب الشرعي أو الطبي للعائلة بعد وفاته. قال القريب إن الأسرة تمكنت من توصيل الطعام لكنها لم تستطع رؤية سليمان.

كان القريب أيضا صديقا لـ حسن زيادة (56 عاما)، وهو مدرس لغة إنغليزية. قال إن السلطات نقلت زيادة إلى مستشفى المحلة الحكومي، وهو أحد المستشفيات التي خصصتها وزارة الصحة لمرضى كوفيد-19، قبل وفاته بأربعة أو خمسة أيام. قال إن زيادة كان مقيدا إلى السرير بالمستشفى معظم الوقت.

الحالات المشتبه بها في سجن العقرب شديد الحراسة

“سجن 992 شديد الحراسة” المعروف بـ “سجن العقرب”، وهو جزء من مجمع سجون طرة بالقاهرة، وهو المكان الذي تحتجز فيه السلطات من تزعم أنهم يشكلون خطرا شديدا على الأمن القومي. حتى قبل انتشار فيروس كورونا في مصر، كانت سلطات العقرب تحظر بانتظام الزيارات لعدة شهور في كل مرة. سبق لـ هيومن رايتس ووتش توثيق عدة حالات وفاة سجناء في هذا السجن قد يكون نقص الرعاية الطبية سببها.

 قالت منظمة “نحن نسجل” المستقلة المكونة من نشطاء حقوقيين وسياسيين، ومقرها اسطنبول، في 15 يونيو/حزيران إن السلطات عينت عنبرا واحدا في جناح في مبنى “H4” لعزل حالات فيروس كورونا. كما قالت المنظمة إن السجناء أبلِغوا في 28 يونيو/حزيران بأنه “لا توجد مساحة متبقية” لعزل حالات إضافية. قالj المجموعة إنها لم تستطع تحديد ما إذا كان جميع المعزولين في العنبر المخصص هم في الأصل سجناء في العقرب. أفادت وسائل إعلام محلية في 21 يونيو/حزيران، بناء على رسالة مسربة مزعومة للسجناء، أنه كان هناك انتشار كبير للفيروس داخل السجن.

الطبيب النفسي المعروف د. عمرو أبو خليل (58 عاما)، المحبوس احتياطيا في سجن العقرب منذ أكتوبر/تشرين الأول. قال شقيقه هيثم أبو خليل، المذيع في “قناة الشرق” المعارضة ومقرها تركيا، إن أبو خليل كان يعاني من صعوبة في التنفس والحمى والتعب من بين أعراض أخرى في الأسبوعين الأخيرين من يونيو/حزيران وكان يعاني من حالات طبية مزمنة منها مرض السكري، والتهاب الأعصاب الطرفية، والفتق.

وثّقت هيومن رايتس ووتش سابقا اعتقال عمرو أبو خليل في عيادته بالإسكندرية في أكتوبر/تشرين الأول، انتقاما على ما يبدو من عمل هيثم أبو خليل المتعلق بمصر في برنامجه التلفزيوني.

مددت السلطات اعتقال أبو خليل في 27 يونيو/حزيران دون مراجعة قضائية مناسبة. قال شقيقه إن السلطات لم تسمح له بأي زيارات منذ اعتقاله.

حالات مشتبه بها في سجون عدة

سجن المنيا شديد الحراسة

وصفت رسالة مهربة كتبها سجينان باليد في سجن المنيا شديد الحراسة، داخل مجمع سجون المنيا، ظروف احتجاز مروعة مع وجود عدد كبير من السجناء تظهر عليهم أعراض الإصابة بفيروس كورونا وغياب الرعاية الكافية. اثنان منهم في حالة حرجة، نُقلا إلى مستشفى السجن. جاء في الرسالة أن انقطاع المياه كان متكررا واستمر حتى 20 ساعة في المرة، وأنه لم يكن هناك تهوية كافية.

حدد كاتبا الرسالة عديدا من الضباط الذين عاقبوا بشدة السجناء المعترضين على ظروف احتجازهم، بما يشمل إبقائهم في ملابسهم الداخلية فقط، وضربهم بالعصي وأدوات الصعق الكهربائي، وكذلك حبس العديد منهم انفراديا. أشارت الرسالة إلى حالتين على الأقل من الضرب الجماعي، في ديسمبر/كانون الأول ويونيو/حزيران، وقالت إن 30 سجينا تعرضوا للضرب. حددت الرسالة سجينين حاولا الانتحار.

سجن تحقيق طرة

حاولت وزارة الداخلية طمس أنباء وفاة أحد العاملين بسجن تحقيق طرة، سيد أحمد حجازي في 29 مايو/أيار، بعد أسبوعين من ظهور الأعراض، وبعد بضعة أيام من إصابته بالفيروس. قال أحد السجناء إن وظيفة حجازي تضمنت توزيع قسائم الشراء في كافتيريا السجن، وهو ما أدى إلى تعامله الواسع مع السجناء وعائلاتهم. أخبرت عائلة حجازي موقع “مدى مصر” الإخباري المستقل أن وزارة الداخلية لم تقدم له أي مساعدة طبية وأنه ذهب في إجازة طبية في 18 مايو/أيار، بعد أيام قليلة من مرضه.

قالت عائلة ياسر الباز، وهو مواطن كندي-مصري حبس احتياطيا 16 شهرا وأفرِج عنه في 2 يوليو/تموز، في تصريحات إعلامية إن أعراض كوفيد-19 ظهرت عليه في سجن تحقيق طرة أواخر يونيو/حزيران.

قال قريب لسجين آخر في طرة تحقيق لكوميتي فور جستس إن أعراض الإصابة بفيروس كورونا ظهرت على قريبه في يونيو/حزيران، منها السعال والحمى الشديدة، لكن ضابط السجن أخبر السجناء أنه لن يسمح بالنقل إلى المستشفى إلا حالات الصعوبة الشديدة في التنفس. قال القريب إن السجين يشارك زنزانته مع حوالي 18 آخرين، ظهرت على كثير منهم أعراض الإصابة بالفيروس، وإن إدارة السجن لم تسمح للعائلات بتقديم الطعام والأدوية بشكل متسمر لهذه المجموعة رغم الإعياء الظاهر.

سجن وادي النطرون 440 شديد الحراسة

أحد أقارب السجناء في سجن 440 بمجمع سجن وادي النطرون، في محافظة البحيرة شمال القاهرة، أطلع هيومن رايتس ووتش على رسالة مهربة مكتوبة بخط اليد، وصف فيها السجين معاناته من أعراض حادة للإصابة بفيروس كورونا في يونيو/حزيران، بما فيها الحمى الشديدة، والسعال، وآلام الجسد. قال الشخص إن قريبه المسجون هو الثالث في زنزانته الذي ظهرت عليه أعراض وإن مسؤولي السجن رفضوا نقلهم إلى المستشفى، قائلين إن هذه مجرد أعراض إنفلونزا وإنهم سيتعافون.

الاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي بحجة كورونا  

منذ بدء الحظر على زيارات السجون في 10 مارس/آذار، يُحتجز آلاف السجناء فعليا بمعزل عن العالم مع ندرة الاتصالات بالمحامين وأفراد الأسرة إن وجدت. تسمح قوانين السجون المصرية بالاتصالات الهاتفية والمكتوبة، لكن السلطات لا تمتثل للقانون في كثير من الأحيان.

أصبحت العزلة أكثر انتهاكا، حيث تمتنع السلطات بشكل متكرر عن نقل السجناء لجلسات تجديد احتجازهم أمام النيابة العامة والقضاة، مزيلة بذلك المراجعة القضائية الهزيلة المتبقية بشأن أوامر الحبس الاحتياطي. أثر ذلك بشدة على أُسر المحتجزين القلقين على سلامة أحبائهم. غالبا ما تمنع السلطات المحتجزين من تلقي الرسائل، أو الطعام، أو الأدوية من أقاربهم الذين يسافرون في كثير من الحالات لمسافات طويلة، ويقفون في مناطق انتظار غير محمية لساعات طويلة، فقط ليتم إعادتهم دون أخبار عن أحبائهم.

الصحفية سلافة مجدي

ظلت تغريد زهران، والدة الصحفية المسجونة سلافة مجدي، تزور سجن النساء في القناطر كل أربعاء منذ أوائل مارس/آذار على أمل أن يسمح لها ضباط السجن بتلقي رسالة من ابنتها، لكنهم رفضوا. قالت زهران لموقع “درب” الإخباري المستقل إن الأسرة لا تعرف شيئا عما حدث لسلافة منذ حظر الزيارات في 10 مارس/آذار. اعتقلت السلطات سلافة وزوجها المصور الصحفي حسام الصياد في نوفمبر/تشرين الثاني، وحبستهما احتياطيا حتى الآن بتهمة بنشر أخبار كاذبة.

إفراجات غير كافية

في 3 أبريل/نيسان، حثّت مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان مصر على الإفراج عن المدانين بارتكاب جرائم غير عنيفة والمحبوسين احتياطيا والذين يشكلون أقل بقليل من ثلث المسجونين، بحسب البيان. أشارت المفوضية إلى أن السجون ومراكز الاعتقال في مصر غالبا ما تكون مكتظة، وغير صحية، وتعاني من نقص الموارد، ويُحرم المعتقلون بشكل روتيني من الحصول على رعاية طبية وعلاج ملائمين.

راجعت هيومن رايتس ووتش سجلات رسمية أظهرت أن السلطات أفرجت عن حوالي 13 ألف سجين مدان في ثماني دفعات منذ أواخر فبراير/شباط بموجب ثلاثة مراسيم رئاسية تأمر وزارة الداخلية بإلغاء الجزء المتبقي من العقوبة لفئات معينة من السجناء. لم تشمل تلك الإفراجات أي من المدانين في قضايا ذات خلفية سياسية. كما لم تربط أي تصريحات رسمية بين تلك الإفراجات وبين جائحة فيروس كورونا. من بين الـ 13 ألف، هناك 3,175 سجينا من بينهم بعض المدانين بجرائم قتل وجرائم خطيرة أخرى، وردت أسماؤهم في مرسوم رئاسي في 22 مايو/أيار.

نادرا ما تنشر الحكومات المصرية معلومات عن عدد نزلاء السجون. لكن بيان الأمم المتحدة الصادر في أبريل/نيسان قدّر أنه يصل إلى 114 ألف، وليس من الواضح ما إذا كان هذا التقدير يشمل المعتقلين في أقسام الشرطة. وفقا لأرقام شبه رسمية، تضم السجون 300 % وأقسام الشرطة 160% زيادة عن سعتها.

أمر أعضاء النيابة والقضاة بشكل منفصل بالإفراج عن عدد صغير من المعتقلين، على الأكثر عشرات، من بين من كانوا رهن الحبس الاحتياطي منذ شهور، وفي بعض الحالات منذ سنوات. من بين المفرج عنهم في مارس/آذار، أستاذ العلوم السياسية حسن نافع، والناشط السياسي شادي الغزالي حرب، و13 ناشطا آخرين، وفي مايو/أيار ويونيو/حزيران الصحفي حسن البنا، و الكندي-المصري ياسر الباز، والمصري-الأمريكي محمد عماشة.

خلال تفشي فيروس كورونا، اعتقلت السلطات المنتقدين السلميين، وسجنت عشرات العاملين في الصحة، والصحفيين، والمنتقدين. تشير تقارير إعلامية إلى أن السلطات اعتقلت في الوقت نفسه آلاف الأشخاص لانتهاكهم حظر التجوال الليلي المتعلق بفيروس كورونا، والذي رُفع أواخر يونيو/حزيران، ولم يتضح كم منهم ظلوا رهن الاعتقال.

شاهد أيضاً

كيف تضاعفت الضرائب بمصر 5 مرات.. وأين تذهب؟

فند خبراء اقتصاد ومحللون مزاعم الحكومة المصرية بشأن زيادة الحصيلة الضريبية بأنها نتيجة جهود الإصلاح …