الجمعة , 30 سبتمبر 2022
الرئيسية / Normal / السيسي يخسر موقعة الإقبال على الانتخابات المصرية

السيسي يخسر موقعة الإقبال على الانتخابات المصرية

شهد اليوم الأول من الانتخابات الرئاسية المصرية نسبة اقتراع أدنى من المتوقَّع. وقد سارعت السلطات إلى اتخاذ سلسلة من التدابير في محاولة لتحفيز الناخبين على المشاركة بأعداد أكبر في اليوم الثاني بهدف تعزيز شرعية الانتخابات – ثم مدّدت الاقتراع ليوم ثالث في خطوةٍ أثارت اعتراض المرشّحَين للرئاسة.

في البداية، حاولت حملة حمدين صباحي الاستفادة من الوضع من خلال إطلاق شعار وهاشتاغ “التلات بتاع حمدين” (الثلاثاء هو يوم حمدين) عبر مواقع التواصل الاجتماعي. لكن بعد الإعلان عن تمديد الاقتراع ليوم ثالث، انتشر هاشتاغ أطلقه بعض أنصار صباحي عبر “تويتر” يحضّونه فيه على الانسحاب من السباق (مع العلم بأن المهلة القانونية للانسحاب انقضت منذ وقت طويل)، ويبدو أن أعضاء حملة حمدين صباحي أرادوا بالفعل الانسحاب اعتراضاً على التمديد، بينما أصر صباحي نفسه على الاستمرار في السباق، فكان الحل الوسط، أن يفعل كل طرف ما يملك، فانسحب ممثلو الحملة من كثير من اللجان في اليوم الثالث، بينما أعلن حمدين استمراره في السباق.

وقد اعتُبِرت التعقيدات الإجرائية من الأسباب التي تقف خلف تدنّي نسبة الاقتراع، إذ فُرِض على المصريين الذين يعيشون بعيداً من دوائرهم الانتخابية الأصلية، التسجّل مسبقاً للتصويت. وأعلنت الحكومة في وقت متأخر من ليل 26-27 أيار/مايو الجاري، عن عدد من إجراءات اللحظة الأخيرة في محاولة لإنقاذ الوضع، نظراً لأن الحل الجذري كان يحتاج تعديلاً تشريعياً. أعلنت الحكومة أن الثلاثاء يوم عطلة، وأتيح لمن يرغبون في التوجّه إلى دوائرهم الانتخابية للتصويت ركوب القطارات مجاناً. وتحدّثت أنباء أيضاً عن تفعيل غرامة قدرها 500 جنيه مصري (70 دولاراً أميركياً) على الناخبين المسجلين الذين يمتنعون عن التصويت في الانتخابات. يُشار إلى أن هذه الغرامة موجودة قانوناً منذ سنوات، لكن لم يتم تفعيلها من قبل، ربما لأن شرعيتها مشكوكٌ فيها لأن المقاطعة يمكن أن تُعتبَر أيضاً خياراً سياسياً مشروعاً، كما لا يمكن تصور أن يتم تحصيلها عملياً من  عشرات الملايين من المواطنين الذين لم يشاركوا في التصويت.

انتشر ليل 26-27 أيار/مايو الجاري شريط فيديو مسرَّب (أو ربما سرب عمداً) يظهر فيه صباحي مرتفع المعنويات فخوراً بما أنجزته حملته على الرغم من إمكانياتها المحدودة، ويحضّ حمدين من خلاله الشباب الذين لم يصوّتوا في اليوم الأول على دعمه وقلب التوقّعات في اليوم الثاني. هل يمكن أن يؤدّي هذا إلى تبديل نتائج الانتخابات المتوقّعة وترجيح الكفة لصالح حمدين على حساب المشير المتقاعد عبد الفتاح السيسي؟ الأمر مستبعد جداً. ما زلت أتوقّع فوز السيسي بأكثر من 75 في المئة من الأصوات. لكن حتى لو حقّق السيسي مثل هذا النصر الكاسح، قد لا يكون ذلك مرضياً بصورة كافية وذلك لأسباب كثيرة. فهو كان يطمح إلى تسجيل نسبة اقتراع أعلى للحصول على الدعم لعدد من الإصلاحات الاقتصادية الواسعة النطاق، ولإجراء تغييرات جذرية في هياكل الدولة المصرية ومؤسساتها، علاوة على تمكين الحكومة من تخصيص استثمارات ضخمة في المشاريع الوطنية العملاقة التي تحدّث عنها.

والأهم من ذلك، تعكس نسبة الاقتراع درجة ثقة المصريين في شرعية الانتخابات والعملية السياسية ككل.

لقد أبدى أنصار “الإخوان المسلمين” وبعض الناشطين ابتهاجهم بالانطباع السائد عن تدنّي نسبة الاقتراع (أعلنت النتائج الأولية ما يقرب من 44% نسبة حضور بنهاية اليوم الثالث – أي بعد التمديد – وهو معدل مشاركة مرتفع نسبياً)، معتبرين أنها مؤشّر عن انحسار موجة الهوس بالسيسي! بيد أن استطلاعاً للآراء أجراه معهد “بيو” يُظهر أن الانقسامات العميقة في مصر أكبر مما تُصوِّره وسائل الإعلام. وكان “حزب الحرية والعدالة” التابع لجماعة “الإخوان المسلمين” قد أعلن أن خمسة ملايين ناخب فقط سيشاركون في الانتخابات، وأن 48 في المئة منهم مسيحيون، و32 في المئة مؤيّدون لمبارك واثنين في المئة من القبائل الغجرية!

لكن ما هي الأسباب وراء تفشي هذا الانطباع التي صاحبته – وربما تسبت فيه – هيستريا إعلامية عن تدنّي نسبة الاقتراع؟ في الانتخابات الرئاسية في العام 2012، صوّت نحو 23 مليون مصري في الجولة الأولى، أي 46 في المئة من الناخبين المسجّلين آنذاك. إذا افترضنا أن الكتلة الانتخابية لم تتغير كثيراً عن عام 2012، وأن معظم أنصار جماعة “الإخوان المسلمين” مقاطعين للانتخابات الحالية (حصل الرئيس السابق محمد مرسي على 5.5 ملايين صوت في الجولة الأولى)، فهذا يعني امتناع مليونَين إلى ثلاثة ملايين ناخب عن التصويت. يُضاف إليهم مليونان إلى ثلاثة ملايين ناخب شاب ربما قاطعوا أيضاً، فيصبح حضور نحو 17 إلى 18 مليوناً من الناخبين في يومي الانتخاب رقماً واقعياً (وصل عدد المقترعين بنهاية اليوم الثالث حسب البيانات الرسمية الأولية إلى حوالي 24 مليون ناخب).

أعرب عدد كبير من الشباب عن استيائهم المتزايد من المسار الذي تسلكه الأمور، لا سيما وصول قائد عسكري استقال للتو من الجيش إلى سدّة الرئاسة – هذا مع العلم بأنه كان قد أعلن بعد عزل مرسي أنه لن يسعى إلى حكم البلاد (من موقع الرئيس). كما أن شباناً كثراً ممتعضون من الهجمات الإعلامية على ثورة 25 كانون الثاني/يناير التي غالباً ما تصفها وسائل الإعلام بـ”النكسة” أو “النكبة” أو حتى المؤامرة، علاوة على إلقاء العديد من النشطاء في السجون بتهم خرق قانون التظاهر. ولذلك يشعر قطاع غير بسيط من الشباب بالنفور والإقصاء لأن كثراً منهم يتماهون مع ثورة كانون الثاني/يناير التي يرون فيها إنجازاً لجيلهم. ناهيك عن أن حملة التضييق والأسلوب الأمني الخشن الذي تعاملت به الشرطة مع احتجاجات الطلاب وسواها من التظاهرات، أثارت غضب الكثيرين. في أيلول/سبتمبر 2013، كتبتُ أن “تحالف 30 حزيران/يونيو” قد ينهار إذا استمرّت الدولة ووسائل الإعلام في الاستخفاف بثورة 25 كانون الثاني/يناير وتسفيه ما تمثله، والعمل ضدّها والزج ببعض من قدمهم الإعلام كرموز لتلك الثورة في السجون، واعتبرت أن الحكومة تكرّر الأخطاء التي ارتكبتها الحكومات السابقة عبر الاعتماد أكثر من اللازم على الإجراءات الأمنية.

لقد عرضت آنفاً تقديرات تشير إلى أن بلوغ عدد المقترعين 17 أو 18 مليون ناخب عبر يومين يجب اعتباره رقماً منطقياً، على ضوء الوضع الراهن وكذلك الانتخابات السابقة. لكن قبل يومَين من الانتخابات، خرج السيسي يقول إنه يريد أن يصل عدد المقترعين إلى 40 مليوناً (!) وهو رقم يستحيل الوصول له عملياً لأسباب كثيرة. دائماً ما يَحدث الإحباط نتيجة الفجوة بين الواقع والتوقّعات المبالَغ فيها. وهكذا ربما قدّم السيسي لخصومه انتصاراً سهلاً على جبهة معركة الإقبال على الانتخابات.

سبق أن تطرّقنا أيضاً إلى عدد من الأخطاء التي ارتكبها السيسي خلال مقابلاته المتلفزة، والتي يمكن أن تكون قد تسبّبت باستياء الداعمين المحتملين له والشرائح التي لم تكن قد حسمت قرارها بعد، مما ربما ساهم في تحويل ملايين الأصوات إلى خصمَيه: صباحي من خلال أصوات الاحتجاج في الصناديق، و”الإخوان المسلمين” من خلال مقاطعة الملايين للعملية الانتخابية جرّاء بعض رسائل السيسي المتلفزة وأسلوبه في توجيهها. يوم الجمعة الماضي، ظهر السيسي من جديد في مقابلة متلفزة بحضور حوالي عشر شخصيات إعلامية. بيد أن تصميم الجلسة في المقابلة لم يكن مستساغاً على الإطلاق، فقد بدا الاستديو أشبه ببلاط ملَكي يجلس فيه السلطان على عرشه محاطاً بحاشيته! إلى جانب الترتيب غير المناسب، حيث بدا السيسي مثل فرعون متوَّج حتى قبل بدء الانتخابات، كان في وجود بعض الشخصيات الإعلامية التي أجرت المقابلة، إشكالية بحد ذاته بالنسبة إلى ملايين المشاهدين. كما أن طريقة تفاعلهم مع السيسي أثارت ضيق الكثيرين، إذ راحوا يهزّون رؤوسهم إعجاباً بكلماته، وكأنه نبي ملهَم ينطق بحكمةٍ سماوية لا يستطيع أحد التشكيك فيها، فبدت المقابلة في مجملها مستفزة لعدد كبير من المصريين، لا سيما الشباب منهم.

هذا فضلاً عن أن الإعلان عن نتائج فرز أصوات المغتربين الذين اقترعوا في الخارج بفوز ساحق وصل لحوالي 94.5% لصالح السيسي، ربما جعل المعركة الانتخابية تبدو وكأنها قد حُسِمت سلفاً، الأمر الذي دفع ببعض الأشخاص على الأرجح إلى اتخاذ القرار بعدم المشاركة في الانتخابات انطلاقاً من الشعور بأن أصواتهم لن تغيّر شيئاً.

أطلق إعلاميٌّ مثير للجدل ارتبط اسمه من قبل بنظام مبارك بكل فساده، تحذيراً سخيفاً من أنه إذا لم يتوجّه ملايين المصريين على الفور إلى صناديق الاقتراع لتصحيح التدنّي في نسبة الاقتراع، فقد يتنازل السيسي عن المنصب! إذا فاز السيسي ولم يتخلَّ عن المنصب (!)، عليه أن يفعل شيئاً ما بشأن الإعلاميين القريبين منه. فبوجود أصدقاء من أمثال هذا الإعلامي يتكلّمون باسم السيسي، لا بد من أن الإخوان يشعرون بسرور عارم.

غالب الظن أن السيسي سيحقّق نصراً كاسحاً على الرغم من هذا كله، لكنه خسر معركة نسبة الاقتراع بسبب الخطأ الذي ارتكبه بفشله في إدارة التوقعات. أما تداعيات هذا الأمر على رئاسته فتتوقّف على العبَر التي سيستخلصها عن المصريين بعد يومين عصيبين. ربما نجحت تلك الجهود المحمومة في رفع نسبة الاقتراع، ولكن ضرر التمديد ليوم ثالث ربما جاء أكثر من نفعه. في نهاية الأمر، فإن هذه المعركة تضرب جرس إنذار لأصحاب الذاكرة الضعيفة: بأنه لا يجدر بأي رئيس، أو إعلامي مهما بلغت مهارته، أن يستخف أبداً بالمصريين أو يُعاملهم وكأنهم أطفال. أبداً.

وائل نوارة

المونيتور

. نُشرت هذه المقالة في الأصل هنا