الثلاثاء , 24 مايو 2022
الرئيسية / Normal / الثورة والدستور

الثورة والدستور

هُزم مشروع ثورة ٢٥ يناير. تحول الحلم المليء بالطاقة الإيجابية المبني على فكرة التوافق بين الأطياف والتيارات السياسية والمجتمعية المختلفة إلى سراب بل – وفي كثير من الأحيان – إلى كابوس دفع بالكثيرين من الذين كانوا على إستعداد للتضحية بحياتهم من أجل نجاح الثورة، في الـ ١٨ يوم الأولى، إما إلى اليأس والإحباط، أو الابتعاد عن المجال السياسي برمته، أو إلى الكفر بفكرة الثورة من الأساس.

هُزم مشروع الثورة لأن فصيلا أساسيا كان مشاركا – على الأقل في ايامها الـ ١٨ الأولى – كان يجب أن يستمر في الثورة كشرط لنجاحها، لكنه أبى واستكبر وفعل ما فعل. وسواء كان ذلك عن سوء نية أو سوء تقدير – أو كلاهما – فإن المحصلة النهائية كانت أن الكتلة الحرجة التي أطلقت الثورة في ٢٥ يناير فقدت أحد مكوناتها، بل وعانت في معظم الأحيان من محاربة هذا المكون، أو إذا جاز التعبير “خيانته” للثورة.

هزيمة فكرة الثورة كان تعني بالضرورة فقدانها القدرة على التأثير والتغيير، وبالتالي جاءت موجة ٣٠ يونيو بمباركة ومساندة أجهزة ومؤسسات الدولة وغيرها، كي ترد على ما بدا أنه نموذج أو فكرة الإخوان الممسوخة عن الثورة. فإن كان الإخوان قد نجحوا في “ركوب” الحراك الشعبي في ٢٥ يناير، فلم يكن من الصعب على الإطلاق – خاصة في ظل حالة الفشل السياسي الشنيع في مرحلة الإخوان – أن تقوم أجهزة الدولة بفعل الشئ ذاته وعلى نطاق أوسع كثيرا في ٣٠ يونيو وما بعدها، وقد كان.

هزيمة مشروع ٢٥ يناير لا تعني بالضرورة أن أهداف العيش والحرية والعدالة الاجتماعية لن تتحقق على الإطلاق. ولا يعني هذا أيضاً أنه لم تكن هناك مكتسبات “ثورية” يمكن البناء عليها في مرحلة صراع قد تستمر طويلاً مع القوى الرجعية داخل الدولة و خارجها، و إنما يعني أنه ستكون هناك معارك عدة على المدى المتوسط و البعيد. وبهذا، ستعتمد فرص التحول الديمقراطي والاجتماعي على قدرة المشروع أو الفكرة الثورية على بناء التنظيمات والتحالفات السياسية والمجتمعية الممثلة لها.

يجب أن نعي هذا ونضعه في الحسبان ونحن ننظر إلى الاستحقاقات السياسية المختلفة في مرحلة ما بعد ٣٠ يونيو، بما فيها الوثيقة الدستورية الحالية. بالتأكيد ليس هذا هو دستور “الثورة”، فأية ثورة تلك التي ستكتب دستورها إن لم تكن قد نجحت بالأساس؟ ولكن ما لا يؤخذ كله لا يترك كله. وحتى اللحظة التي كتبت فيها تعديلات ٢٠١٣ الدستورية، تظل القدرة السياسية للقوى الثورية محدودة، وهو ما انعكس نسبياً في الوثيقة ذاتها والتي شهدت خليطاً من المواد التي لا تمت لبعضها بصلة، من ناحية الالتزام بالحقوق والحريات والديمقراطية…إلخ.

فمن ناحية نجد أن هناك مجموعة جيدة جدا من المواد التي تؤكد على تلك المكتسبات وتثمنها، ومن ناحية أخرى نجد العكس. وما بين الأبيض والأسود مجموعة من الرماديات التي يبدو أن على القوى الثورية أن تتعايش وتبدأ في ممارسة “السياسة” معها بنوع من الواقعية.

الرهان على عدم المشاركة في المشهد على الإطلاق، وانتظار حراك ثوري آخر في المدى القريب يغير موازين القوى لمصلحة طرف معين في غير محله، طالما لم تتوافر العناصر السابق ذكرها (التنظيمات والتحالفات السياسية والمجتمعية الممثلة). كما أنه يتجاهل السياق الاقتصادي والاجتماعي الحرج الذي يمر به أغلبية الشعب المصري، بعدما يقرب من ثلاثة أعوام من المعاناة، شهدت القليل جداً من الحصاد. وبهذا يصبح الابتعاد عن المشهد رفاهية لا نمتلكها ومخاطرة قد تزيد من صعوبة تحقيق أية مكتسبات سياسية.

وفي الحقيقة، من المهم أن توضع تلك الوثيقة الدستورية في حجمها الطبيعي. فمن ناحية لا يمكن النظر إليها بمعزل عن السياق السياسي والمجتمعي في مرحلة ما بعد ٣٠ يونيو، مع كل ما يشوب المشهد من تعقيدات متعلقة بالمسار الذي ما زالت تسلكه جماعة الإخوان، والذي يبدو أنه لا يراهن إلا على إفشال الاستحقاقات السياسية المترتبة على عزل الرئيس السابق دون تقديم طرح أو تصور بديل واقعي قابل للتنفيذ. هذا المسلك لا يزيد من عزلة الإخوان ويسهم في تقوية شوكة القوى المعادية للفكرة أو المشروع الديمقراطي  فحسب، بل إنه أيضاً يضيق الخناق على البقية الباقية من القوى الديمقراطية والثورية، سواء كانت ممثلة من خلال أفراد أو أحزاب أو حركات، ويضعف من قدرتها على الحركة والتأثير في المجال العام.

ومن ناحية أخرى، لا يجب أن تعطى الوثيقة الدستورية أكبر من حجمها بتصويرها على أنها تعني صكا على بياض لسلطة الأمر الواقع القائمة منذ ٣٠ يونيو، رغم محاولات البعض من داخل هذه السلطة تصوير الأمر على أنه كذلك. فمرور مشروع تعديلات ٢٠١٣ الدستورية لا يعني بالضرورة استتباب الوضع السياسي لمن هم في السلطة الآن – وإن حاولوا – أو نجاح القوى المعادية للديمقراطية والحقوق والحريات في مصادرة المجال العام. سيكون مصير هذه المحاولات الفشل، ليس فقط بسبب المقاومة المتوقعة من جانب قوى سياسية ومجتمعية مختلفة، ولكن لأن إعادة إنتاج المعادلة الغير المتوازنة التي أسقطت نظام حكم مبارك، والتي أدت إلى تصدع العلاقة بين الدولة والمجتمع، سيودي بأية سلطة أو مشروع سياسي إلى نفس المصير المحتوم.

ولا يمكن إلا لغير منصف أو لمنحاز إنكار التحسن الملحوظ الذي طرأ على مشروع ٢٠١٣ الدستوري – في مجمله – عند مقارنته بنظيره الصادر في ٢٠١٢، خاصة في المواد المتعلقة بالدولة والمجتمع والحقوق الاقتصادية والاجتماعية. ولكن لا ينفي هذا أيضا وجود مجموعة من المواد الكارثية، خصوصا فيما يتعلق بنظام الحكم والعلاقات المدنية – العسكرية. قد يعتبر البعض هذه المواد السيئة بمثابة ‘مفسدات اتفاق’ أو’Deal Breakers’ حتى وإن كانت عددا أو حجما أقل من المواد الجيدة، وقد لا يعتبرها البعض الآخر كذلك. وعلى أية حال، فإن الوسيلة المثلى للمقارنة بين المشروعين هي مراجعة نصوص التعديل في المواد بين الوثيقتين بشكل مباشر.

لقد ركز معظم الجدل السائر حالياً في الساحة العامة على ثنائية الـ”نعم” و الـ”لا” (وأحيانا ثلاثية المقاطعة أو رباعية الإبطال) وهي أسئلة هامة بدون شك، إلا أنه من المهم أيضا ونحن نحاول الإجابة عن تلك الأسئلة، أن نضع في الاعتبار أنه توجد عدة محاور رئيسية ستحدد مصير مشروع هذا الدستور، وقدرته على البقاء.

من هذه المحاور، على سبيل المثال، الدور الذي ستلعبه المحكمة الدستورية ومدى قدرتها على مراقبة التزام أجهزة الدولة بنصوص الدستور، ونوعية التشريعات الصادرة من البرلمان، ودرجة مواكبتها للإحتياجات الاقتصادية والاجتماعية. بالإضافة إلى المعارك/القضايا التي ستخاض في المرحلة القادمة من جانب القوى ‘الثورية’ على هذا الدستور. معظم هذه المحاور مرتبط أيضا بالدور الذي يمكن أن تلعبه القوى الديمقراطية والحقوقية في الدفع باتجاه القضايا التي تتبناها، وقدرتها على الحشد والتنظيم والعمل السياسي والمجتمعي، وهي التحديات الأساسية التي مازالت تواجه تلك القوى منذ ٢٥ يناير وحتى الآن.

تحتاج تلك التحديات الرئيسية للإجابة و لتعامل من جانب تلك القوى في المرحلة المقبلة، وستحدد نسب النجاح في التعاطي مع الكثير من تلك التحديات فرص الضغط والتأثير في استغلال الدستور، إن وجدت، وفرص التغيير الإيجابي في مسار التحول الديمقراطي في مصر بصفة عامة.

 

محمد فهمي منزا

.نُشرت هذه المقالة في الأصل هنا