الإثنين , 10 أغسطس 2020
الرئيسية / Normal / مصر بعد ٣ يوليو ٢٠١٣ .. عن العلاقات المدنية العسكرية عمرو حمزاوي

مصر بعد ٣ يوليو ٢٠١٣ .. عن العلاقات المدنية العسكرية عمرو حمزاوي

حين حذرت قبل وبعد ٣ يوليو ٢٠١٣ من التداعيات السلبية لتدخل الجيش فى السياسة إن لجهة غياب التوازن عن العلاقات المدنية العسكرية أو بشأن الزوال الفعلى لفرص اكتساب العلاقات هذه لسمات ديمقراطية جوهرها حيادية واحترافية الجيش وامتناعه عن التدخل فى السياسة وقبوله لرقابة السلطات المدنية المنتخبة التى تشرع له وتقر ميزانيته وتعين قيادته التنفيذية، أشهرت السيوف فى وجهى وروجت الاتهامات العبثية والزائفة من قبيل الانتماء إلى جماعة الإخوان المسلمين «كخلية نائمة» إلى عضوية «طابور خامس» يعمل ضد المصلحة الوطنية.

وبينما اضطلعت الأصوات الفاشية وحاشية الدولة الأمنية القديمة ــ الجديدة بمهمة إشهار السيوف والتخوين، دفع بعض الكتاب والسياسيين ممن يعلنون التزامهم بالفكرة الديمقراطية وبمدنية الدولة كمضاد لعسكرتها ولتديينها بقصور وسوداوية نظرتى وحاججوا بأن «خارطة المستقبل» تضمن بناء ديمقراطيا كاملا.

واليوم، ومع اقترب لجنة الخمسين المعينة والمكلفة بتعديل دستور ٢٠١٢ من نصوص نهائية تشترط موافقة الجيش على تشريعات البرلمان الخاصة به وموافقته أيضا ولمدة ثمانية أعوام قادمة على من يسميه رئيس الجمهورية المنتخب وزيرا للدفاع وتدرج ميزانيته فى الموازنة العامة للدولة كرقم واحد وتمتنع عن إغلاق باب محاكمة المدنيين عسكريا وتبقى على حذف النص على عدم جواز تدخل جيش فى السياسة من ديباجة الدستور، أسأل مؤيدى ترتيبات ما بعد ٣ يوليو ٢٠١٣ إن من المشاركين فى إدارة الحياة السياسية أو الفاعلين فى مجالات أخرى ممن يعلنون التزامهم بالفكرة الديمقراطية، هل يؤسس إطار دستورى كهذا لبناء ديمقراطي؟ ألا تقضى النصوص هذه حال إقرارها على كافة فرص التوازن المستقبلى للعلاقات المدنية العسكرية ودفعها باتجاه ديمقراطي؟ ألا تجعل من الجيش دولة داخل الدولة وترتب طغيان المؤسسات المعينة على المنتخبة وتعصف أيضا بحقوق وحريات المواطن بعدم إلغاء المحاكمات العسكرية للمدنيين؟ هل يعتقدون فعلا أن دفعهم بضرورة التدرج فى إدارة العلاقات المدنية العسكرية، ومن ثم التحديد الزمنى لفيتو الجيش على تعيين رئيس الجمهورية لوزير الدفاع بثمانية أعوام والتلميح لإمكانية تعديل مواد الجيش فى الدستور فى المستقبل، يحمل مضامين واقعية وهل تعرفوا على خبرات سابقة لدول آسيوية وأفريقية وأمريكية لاتينية ليتثبتوا بما لا يدع مجالا للشك بأن إقرار الوضعية الاستثنائية للجيوش دستوريا وسياسيا لا ينتهى تدريجيا ولا يتبدل إلا فى سياق تغيرات مجتمعة حادة وسريعة؟

•••

حين حذرت قبل وبعد ٣ يوليو ٢٠١٣ من أن تدخل الجيش فى السياسة سيعيد عسكرة المخيلة الجماعية للمصريات وللمصريين ويفقدهم الثقة فى الآليات والإجراءات الديمقراطية وفى ممارسى السياسة من المدنيين ويصنع رباطا عضويا بين مطالبهم المشروعة لجهة تحقيق الأمن وتحسين الأوضاع المعيشية وبين وصول عسكرى إلى موقع الرئاسة، اتهمتنى بعض القوى والتيارات المحسوبة على ثورة يناير ٢٠١١ والتى أيدت ترتيبات ما بعد ٣ يوليو ٢٠١٣ إما بالخطأ فى قراءة الواقع المصرى مدفوعا بنظريات العلوم السياسية التى لا تنطبق علينا نحن فى مصر من ألفها إلى يائها أو بالمبالغة فى التشاؤم أو زيفا بالبحث عن حجج ومقولات لدعم موقف الإخوان ومجموعات اليمين الدينى الرافضة

لعزل الدكتور محمد مرسى أو لمعاداة الجيش الذى أقدر دوره الوطنى ومهامه الرئيسية فى حماية الأمن القومى وأمن الوطن.

•••

ولم يكن فى الأمر أى من هذا، بل قراءة واقعية، مدعومة بنظريات السياسة التى لا تخرج الحالة المصرية عن سياق طاقتها التحليلية ولا تمثل لها لوغاريتما غير قابل للتفسير، لنتائج الأداء الكارثى للرئيس المدنى المنتخب ولتدخل الجيش لعزله بعد حراك شعبى واسع النطاق والتى ليس لها إلا أن تفضى إلى نزع القبول الشعبى والثقة عن ممارسى السياسة المدنيين على تنوع توجهاتهم ولم يكن لها إلا أن تحيى فى المخيلة الجماعية ذاكرة «البطل العسكرى» وتصنع حوله هالة إنقاذية مستندة إلى تأويل مبتور لخبرة الخمسينيات والستينيات الناصرية وإلى استدعاء لسرديات البطولة الشعبية المصحوبة بمسحة وطنية شعبوية تعد «الجماهير» على الرغم من سلبية خبراتها الماضية بكل شيء من تقدم وتنمية ورخاء وتفرط فى صناعة الأعداء فى الداخل والخارج.

•••

وعندما تراجع نظريات السياسة التى تحدد ضعف أو تراخى مؤسسات الدولة غير العسكرية والأمنية كعامل مساعد على هيمنة الجيوش على السياسة وسبب ــ فى إطار علاقة جدلية ــ لاستمرار ضعف وتراخى هذه المؤسسات وينظر لمكونات وتفاصيل الحالة المصرية خلال السنوات الماضية وفى اللحظة الراهنة، يصبح توقع تصاعد عسكرة المخيلة الجماعية وتنامى بحث «الجماهير» عن البطل العسكرى تحليلا دقيقا وليس استشرافا متشائما للمستقبل. واليوم، وعلى وقع تواتر مطالبة وزير الدفاع بالترشح لرئاسة الجمهورية وتعالى أصوات المحسوبين على الفكرة الديمقراطية بتبرير مطالبته بالترشح للرئاسة بصياغات واهية وبتمييز غير واقعى فى مصر نظرا لمؤسساتها غير العسكرية والأمنية الضعيفة (خاصة تلك المنتخبة) ولدور الجيش القوى ولغياب البناء الديمقراطى بين ترشح عسكرى للرئاسة وبين عسكرة الدولة والسياسة، يكتسب هذا التحليل المزيد من المصداقية والدقة والحيادية.

عمرو حمزاوي

الشروق

.هذه المقالة في الأصل هنا